استراتيجية مكافحة الفساد: لبنان ينظر في المرآة!

روزانا بومنصف – النهار

لعل السفيرة الأميركية #دوروثي شيا حملت في جولتها على رئيس الحكومة #نجيب ميقاتي وبعض المسؤولين “استراتيجية الولايات المتحدة في شأن مكافحة #الفساد”. ففي مناسبة اليوم العالمي لمكافحة الفساد ومؤتمر القمة من أجل الديموقراطية الذي يُعقد في واشنطن في ضوء اعتبار الرئيس الأميركي جو بايدن مكافحة الفساد “مصلحة أساسية للأمن القومي للولايات المتحدة”، أصدرت الإدارة الأميركية استراتيجية في شأن مكافحة الفساد يقول ديبلوماسيون معنيون إن لبنان يمكن أن يقرأ الكثير مما يشهده بين سطورها منذ سطورها الأولى التي تعرّف الفساد “عندما يسيء المسؤولون الحكوميون استخدام السلطة العامة لتحقيق مكاسب خاصة، فإنهم يفعلون أكثر من مجرّد مراكمة الثروة غير المشروعة المناسبة، إذ يحرم الفساد المواطنين من المساواة في الوصول إلى الخدمات الحيوية، ويحرمهم الحق في الرعاية الصحّية الجيدة والسلامة العامّة والتعليم. يحط من بيئة الأعمال، كما يقوّض الفرص الاقتصادية، ويؤدّي إلى تفاقم عدم المساواة. غالباً ما يساهم في حصول انتهاكات وتجاوزات كحقوق الإنسان ويمكن أن يؤدّي إلى الهجرة. وكتهديد أساسي لسيادة القانون، يفرغ الفساد المؤسسات ويقوّض ثقة الجمهور ويغذي السخرية الشعبية تجاهها”، كأن من يترجم هذا التوصيف الواقع اللبناني الراهن في أبرز تجلياته.




وفيما شهدت تسمية أحد الإعلاميين اللبنانيين، وهو رياض قبيسي، من بين مجموعة إعلاميين من أنحاء العالم ومكافأتهم على جهودهم في السعي الى مكافحة الفساد، لا يبدو أن العقوبات الأميركية في موضوع الفساد ستكون بعيدة كذلك عن السعي وراء أسماء لها الباع الطويل على هذا الصعيد في المدى المنظور. فعلى غرار القرار السابق الذي شمل مجموعة أسماءً من رجال الأعمال طاولتهم العقوبات بسبب اتهامات بالفساد، فإن معلومات ديبلوماسية تفيد أن هناك أسماءً أخرى على الطريق ولا سيما أن المقاربة التي اعتمدت أخيراً من حيث نوعية المستهدفين قد لقيت ردود فعل إيجابية مشجعة من النادر أن يحصل تلاقٍ واسع حولها كما حصل بالنسبة الى الأسماء الأخيرة التي وردت على لوائح العقوبات الأميركية.

ويبدو أن الإدارة تولي اهتماماً لهذه القمة والاستراتيجية المعلنة من أجل تمرير جملة رسائل في هذا الإطار لا تتعلق بلبنان فحسب بل تشمل دولاً عدة في العالم ليست بمنأى عن الفساد المقوّض للديموقراطية كذلك.

ومن المرجح أن تجد السفيرة الاميركية من يلاقيها في اعتبار هذه الاستراتيجية معبّرة عما يريده المسؤولون اللبنانيون الذين يرمون تبعات الفساد على خصومهم ويرفعون شعارات مكافحة الفساد من دون إرادة التنفيذ أو تبني سياسة فاعلة في اتجاهها، لا بل يتهمون خصومهم بعرقلة مساعيهم في هذا الاتجاه. ولعله يصعب عليهم مقابلة تعميم الاستراتيجية الاميركية بتجاهل أو غير هذا التبني على نحو مباشر أو غير مباشر في ظل رعاية الولايات المتحدة المساهمة في إيجاد حلول لملفات إشكالية كبيرة ومعقدة. فمن جهة هناك ملف ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل الذي ينشط على خطه راهناً الموفد الاميركي آموس هوكشتاين ولو أن من غير المتوقع بحسب معلومات ديبلوماسية أن يزور لبنان قبل نهاية السنة لقصر المهلة الفاصلة عن فترة الأعياد على رغم الترويج الإعلامي لزيارة قريبة له كما لتحديده مهلة من أجل إيجاد حل أو فرضه بين لبنان وإسرائيل قبل آذار المقبل، الموعد المفترض مبدئياً للانتخابات النيابية، إذ تفيد المعلومات الديبلوماسية أن لا موعد الزيارة محدّد كما يشاع ولا كذلك مهلة التوصّل الى حلول، لأن إدارة مفاوضات لا تحصل بهذه الطريقة.
في المقابل فإن ما يتوقع حلحلة في شأنه قريباً من جانب الموفد الأميركي هو ملف استجرار الغاز من مصر والأردن الى لبنان من أجل الكهرباء، فيما برزت تعقيدات على خط مصر أكثر منها على خط الأردن، على عكس ما كان متوقعاً، وانتظار مصر لإنهاء البيروقراطية الأميركية في إنجاز التعهدات الافتراضية المتصلة بتمرير الغاز عبر سوريا الى لبنان.

وبمقدار ما يتمتع هوكشتاين بشبكة واسعة ومهمة من العلاقات تسمح له بالإمساك بهذه الملفات بسهولة والسعي الى معالجتها فإن السفيرة الأميركية في لبنان تواكب الخطوات عن كثب في موضوع ملف استجرار الكهرباء بلقاءات شبه أسبوعية مع وزير الطاقة للاطلاع على كل التفاصيل وأحياناً بأكثر من اجتماع خلال الأسبوع الواحد. ويكاد يمكن القول إن الولايات المتحدة تمسك بيد لبنان حرفياً من أجل تأمين إيصال الكهرباء إليه في المدى المستقبلي القريب.

وهناك كذلك موضوع دعم الجيش اللبناني، الذي لا يخفى مدى قيادة الولايات المتحدة لمشروع تقديم الدعم له بحيث لا يبقى مقتصراً على المعدات والتجهيزات العسكرية المناسبة. فالانهيار الكارثي الذي أصاب الجيش والقوى الأمنية بقوة على غرار إصابته اللبنانيين كافة، يمكن أن يؤثر بشدة على أداء الجيش وهذه القوى، فيما يحتاج لبنان إليها للمحافظة على استقراره. وقد تميّز البحث الاميركي إبان الزيارة التي قام بها قائد الجيش حوزف عون لواشنطن أخيراً بجهود بذلتها السفيرة شيا في البحث من ضمن ما تتيحه القوانين الأميركية عن سبل توفير الدعم للجيش بحيث لا يقتصر على الشق العسكري فحسب، وكذلك البحث عن الآليات التي تسمح بذلك عبر صناديق تشارك فيها دول أخرى أيضاً ولا تقتصر على الولايات المتحدة، برغم التحديات التي تطرحها مقاربة مماثلة إزاء المدة التي يمكن أن يحتاج فيها الجيش اللبناني لذلك، وهل يمكن أن تحبط هذه المقاربة الجهد اللبناني المفترض أن يحصل قياساً الى الاعتماد راهناً على الولايات المتحدة، وأيٌّ من الدول يمكن أن تتبعها أيضاً في هذا الموضوع؟

يمكن أن يتساءل المواطن اللبناني تبعاً لذلك: عمَّ يعتبر المسؤولون اللبنانيون أنفسهم مسؤولين.