بعد نجاح ماكرون خطوات عربية قريبة مهمّة لبنانياً!

سركيس نعوم – النهار

لا شك في أن رئيس الحكومة #نجيب ميقاتي حقّق بواسطة الدعم الخارجي، أي الدولة الكبرى #فرنسا، نجاحاً مهمّاً بفتح “موارب” لباب إعادة الاتصال بين #لبنان والمملكة العربية السعودية، تمهيداً لبحث بينهما لا يزال موعده مجهولاً، وذلك للبحث في الأسباب التي دفعت الثانية ومعها دول مجلس التعاون الخليجي باستثناء عُمان الى سحب سفرائها من لبنان والى مقاطعة منتجاته الزراعية والصناعية وتخلّيها عن سياسة الرعاية المالية الكبيرة له منذ عقود، علماً بأنه في أمسّ الحاجة إليها الآن بعد انهيار نقده ومصارفه واقتصاده ومؤسّساته الدستورية الثلاث وإداراته واتجاهه بقوّة الى فوضى متنوّعة أخطرها الفلتان الأمني الواسع (تشبيح وتشليح أحياناً بسبب الحاجة أو الفقر وأحياناً أكثر بسبب تشكّل عصابات منظمة تعمل لحسابها أو لحساب جهات سياسية محلية وربما خارجية وتقوم بفرض الخوّات وبسرقة منازلهم ونشر الموبقات المتنوّعة في البلاد). لكن لا شك أيضاً في أن النجاح المذكور لا يزال شكلياً رغم أن ميقاتي والإعلام “المؤيّد” له والآخر الراغب فعلاً في حلّ الأزمة الخليجية للبنان شغّلا عواطفهما ومصالحهما فأشارا بقوة وحماسة الى أن هذه الأزمة بدأت تسير نحو الحلّ. ذلك أن البيان الرسمي الذي صدر في أعقاب الاتصال الهاتفي الذي أجراه رئيس فرنسا ماكرون بميقاتي والذي شارك فيه بعد نهايته ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، كرّر المواقف والشروط التي وضعتها المملكة لإعادة علاقتها الطبيعية بل الأخوية مع لبنان (تنفيذ قرارات دولية – لا سلاح إلا سلاح الشرعية – حفظ الأمن بواسطة الجيش اللبناني – مراقبة الحدود – إجراء إصلاحات – الالتزام باتفاق الطائف ‒ …). واللبنانيون كلّهم على اختلاف شعوبهم وتناقضها وعدائها بعضها لبعض، يعرفون أن هناك استحالة لتنفيذ هذه “الشروط” وأخرى كثيرة غيرها لم تعلن على الأرجح، وذلك لأسباب عدة.




أولها أن “#حزب الله” الطرف السياسي – الأمني – العسكري – الاقتصادي الأقوى في لبنان وصاحب النفوذ الأول فيه سواء بغالبية نيابية موالية أو من دونها، لن يوافق على “الشروط” المذكورة لمعرفته الفعلية بأنها تستهدفه. وهو لن يضع رأسه تحت المقصلة طوعاً وسيستمرّ متمسكاً بمواقفه لأنه والفريق الإقليمي الذي ينتسب إليه سياسياً وشيعياً وإيديولوجياً لا يزالان يخوضان حربهما العسكرية في المنطقة، وقد حقّقا فيها نجاحات ملحوظة، ولأن حليفه الإقليمي يخوض في الوقت نفسه حرباً ديبلوماسية في فيينا مع الولايات المتحدة والمجموعة الدولية التي وقّعت معها عام 2015 الاتفاق النووي وذلك بغية إقناع الأخيرتين برفع العقوبات المفروضة عليها وعودة الأولى الى الاتفاق المذكور كما عودة الحياة إليه بعودة أميركا إليه.

ثاني الأسباب هو اقتناع الشعوب اللبنانية والمنظومة السياسية المتنوّعة التي تحكمها بأن لبنان الكبير، ثم لبنان الاستقلال ولبنان ما بعد “ثورة” 1958، ولبنان حروب 1975-1990، ولبنان الوصاية الاحتلالية السورية، ثم لبنان الوصاية الإيرانية بواسطة “حزب الله” بعد انتهاء الأولى ولبنان الصيغة والميثاق وتقاسم المواقع والسلطات والوظائف والثروات الناجمة عن الفساد المُمأسَس ولبنان الدولة، بأن كل هذه اللبنانات قد انتهت، وبأن الحاجة الى لبنان جديد مركزي أو لا مركزي أو فدرالي أو كونفديرالي أو مقسّم أو موزّع على جاريه الإقليميين صارت ماسة جداً، علماً بأن ولادة لبنان الجديد هذا لا تزال بعيدة وهي مرتبطة بالإقليم وبصراعات دوله كما بصراعات الدول الكبرى فيه وعليه بواسطتها. واللبنانيون يعرفون هذه الحقائق كلها. لكن من يده في النار ليس كمن يده خارجها. هذا ما يدفع اللبنانيين الى القول بصوت واحد نريد “طائفاً” جديداً رغم أن لكل من شعوبهم “طائفه” الخاص المتناقض مع “طائف” كل منها.
في هذا المجال يرجّح البعض أن يُنتج “الطائف” الجديد لبناناً بثلاثة رؤوس أي شيعة وسنّة ومسيحيين، رغم معرفتهم أن مخلوقاً بهذه المواصفات يُعتبر غير قابل للحياة كلياً أو على الأقل للحياة الطبيعية طبياً. السبب أنهم ملّوا وقرفوا وتعبوا وخافوا بضعفائهم والأقوياء وافتقروا وذلّوا ويئسوا… لكن لا أحد في المنطقة والعالم يسمعهم. وهم يحتاجون لكي يتحقق هدفهم الى جهة دولية قويّة وقادرة أو جهات تدعو الى “الطائف” الجديد هذا. والجهات التي لها هذه المواصفات لا تزال غائبة لأن مصالحها الحيوية التي تتقاتل من أجلها بواسطة شعوب لبنان لم تتأمن بعد. ولا أحد يعرف متى تتأمن. ويحتاجون أيضاً الى جهات محلية تدعو الى ذلك. لكنها غير موجودة لأن لها كلها طلبات ومصالح متناقضة الأمر الذي يمنعها من الاتفاق على الدعوة الى ذلك أيضاً.

في النهاية يعترف الكثيرون في لبنان بأن هذا التحليل واقعي. لكنهم دائماً يحلمون بتحليلات مناقضة تحقّق أحلام السياسيين منهم وتوهم اللبنانيين أنها تحقّق مصالحهم. والحلم “الدائر” الآن في العقول كما أحلام السينما هو أن مبادرة ماكرون الناجحة جزئياً وشكلياً حتى الآن ستعطي في النهاية نتيجة جدّية ومهمة. وهي ليست لتقطيع الوقت وستكون لها نتائج إيجابية ولا سيما على صعيد علاقات مع الدول العربية. ولعل أولى نتائجها ستكون إقدام وزراء خارجية عرب على زيارة لبنان لن يكون وزير خارجية السعودية بينهم. وهؤلاء لن يقدّموا حلاً ثابتاً ونهائياً لكنهم سيقدمون مساهمات إيجابية أو يقترحون خطوات مهمة. إلا أن ذلك لن يرقى طبعاً الى مرتبة الحلّ.