ارتفاع مرعب لمعدلات الجريمة في لبنان.. والمخدرات في مقدمة الأسباب

التقط الشاب “م. إ” مسدسا، ومن دون أن يرف له جفن، أطلق النار على شقيقته، فأرداها قتيلة قبل أن يسقط هو الآخر بطلقة نارية داخل منزل العائلة في منطقة المنكوبين شمالي لبنان، ليتضح بعدها أنه كان يتعاطى المخدرات. وقبلها بأسابيع ذبح الشاب “ف. أ. ح” على يد شقيقه “م” في مخيم نهر البارد، وهو الآخر من متعاطي المخدرات.

شهد لبنان خلال الأشهر العشر الأولى من السنة الحالية 163 جريمة قتل، في حين سجل العام الماضي، 159 جريمة مماثلة، ما يشير إلى ارتفاع تصل نسبته إلى 2,51 بالمئة، وذلك بحسب إحصاءات قوى الأمن الداخلي، مع العلم أن معظم الجرائم في هذا البلد ترتبط بالمخدرات، بحسب ما أكده رئيس شعبة العلاقات العامة في قوى الأمن الداخلي العقيد، جوزيف مسلم، لموقع “الحرة”.




بحر من الظلمات ينجر إليه كل من يسلك هذا الطريق، وأكد العقيد مسلم أنه “قلما نوقف شخصا بأي جريمة من دون ضبط مواد مخدرة معه، سواء كان الجرم سرقة أو نشل أو سلب أو قتل وغيرها”.

وأوضح “يبدأ المتعاطي بسرقة أغراض المنزل إذا لم يكن لديه المال لشراء المخدرات، وقد يلزم أفراد أسرته على العمل أو ممارسة الدعارة، أي أننا نكون أمام عنف أسري، وفي حالات معينة قد يبيع نفسه، ثم ينتقل المدمن ليصبح خطرا على المجتمع، من خلال ارتكاب أعمال جرمية للحصول على أموال سريعة، كالنشل، سلب الأشخاص، سرقة الصيدليات للحصول على أدوية الأعصاب والأمراض النفسية، بعدها يدخل إلى عالم آخر من السرقة، منها الجرائم الاحتيالية وسرقة السيارات والخزنات وغيرها، وخلال القيام بكل ذلك قد يقدم على القتل تحت تأثير الإدمان”.

جرائم تحت تأثير المخدرات والانسحاب منها

و”هناك من يتعاطى المخدرات للإقدام على تنفيذ جريمة قتل، بمعنى أنه يحتاج للدافع النفسي وكسر حاجز الخوف لارتكاب جريمته،” بحسب ما قاله رئيس الهيئة العربية لمكافحة المخدرات، الدكتور محمد عثمان، لـ”الحرة”.

وشدد على أنه “بحسب أنواع المخدرات يتأثر الدماغ، وهناك أنواع منها تؤدي إلى أمراض نفسية كانفصام الشخصية، والهلوسة حيث يتخيل المتعاطي أمورا غير حقيقية تدفعه للقيام بأي أمر من دون أن يعي ذلك، لا سيما النوع المنتشر في الآونة الأخيرة وهو السالفيا”.

لكن أخصائي الدماغ والأعصاب، الدكتور إبراهيم سليمان، اعتبر في حديث لموقع “الحرة” أن “أكثرية الجرائم ترتكب تحت تأثير عوارض الانسحاب من المخدرات، بمعنى أن المدمن الذي لا يستطيع الحصول على المادة المخدرة مستعد أن يقتل للوصول إليها، فهو يشعر بالأمان طالما أن باستطاعته تناولها، وإلا فإنه يواجه تغيرات سلوكية كبيرة”.

وهذا لا ينفي وفقا لسليمان أن “تناول جرعات زائدة من المخدرات التي تعمل على الجهاز العصبي المركزي كمواد بريغابالين، ترامادول، بنزكسول، الكريستال، الهيرويين والكوكايين وغيرها، قد تؤدي إلى ارتكاب جريمة، وهذا النوع من المخدرات عندما يعتاده الجهاز العصبي ولا يتمكن المدمن من تأمينه يصبح الشخص في حالة ثوران كبيرة ويقدم على سلوكيات غير مسؤولة، كما أن دمج أنواع عدة من المخدرات يدفع المدمن إلى ارتكاب العديد من الجرائم، كما الحال في مخدر ‘السالفيا’ حيث يتسبب بالهلوسة وتحول بعض الأشخاص إلى عدوانيين. وعلى سبيل المثال، هناك شخص اعتقد نفسه بعد تعاطيها أنه منقذ البشرية وقريبته شيطان يجب قتله”.

مخدرات شديدة الخطورة

وشرح الدكتور عثمان أن “السالفيا” (الملقبة بـ”السيسي”) عبارة عن “حشيشة مصنعة يضاف إليها مواد كيميائية مختلفة منها مواد التنظيف وبنج الحيوانات، ما يجعلها شديدة الخطورة. فعند تعاطيها من خلال سيجارة يصاب الجهاز العصبي المركزي مباشرة، وقد تؤدي إلى الموت، حيث تنطبق عليها عبارة (شراب وموت). وقبل سنتين فارق شابان من طرابلس الحياة بسببها، أحدهما يبلغ من العمر 17 سنة والآخر 21 سنة”.

وفاء، واحدة من اللواتي دفعن ثمن تعاطي زوجها “السالفيا”، فقد تعرضت للعيش في خطر الموت ولا سيما “عندما كان لا يملك المال لشرائها، فهو يصبح كالثور الهائج على استعداد لارتكاب أي جريمة، كان يضربني لكي أستدين وأجلب المال له، وعندما يتعاطاها يصبح في عالم آخر لا يبالي بكل ما يدور حوله، مع الوقت بدأ يتخيل أمورا لا وجود لها إلى درجة أنه بات يتهمني بشرفي، حتى انفصلت عنه”.

وأضافت “عشت معه 20 عاما جرب خلالها جميع أنواع المخدرات لكن لم يصل إلى الهلوسة وحتى الجنون إلا حين بدأ تعاطي هذه العشبة”، في حين شدد الدكتور عثمان على أن “عددا كبيرا من متعاطيها يصبحون أكثر شراسة عند تناولها، وهو ما يدفعهم إلى القتل”.

وترتكب جرائم عدة تحت تأثير تعاطي “الترامادول” (أو كما يطلق عليه “الفراولة”)، بحسب عثمان، الذي يقول: “هو في الأساس دواء ينتمي إلى فئة المسكنات الأفيونية، يستخدم لتسكين الآلام، منه ما هو مزور وهو شديد الخطورة حيث تضاف إليه مواد كالأمفيتامين، الهيروين ومواد كيميائية مثل الكلور وأسيد البطاريات التي تساهم في تدمير خلايا المخ”، مشيراً إلى أن “معظم التعديات على الصيدليات سببها محاولة سرقة الأدوية المخدرة كالترامادول والبنزكسول”.

خلل في هرمونات الدماغ

وفي تفاصيل ما يحصل لدماغ المتعاطي، شرح الدكتور سليمان أن المخدرات تعمل “على ارتفاع معدلات هرمونية محفزة للدماغ بشكل مفرط في حين أن الشخص الطبيعي يكون لديه توازن هرموني، لذا عندما لا يأخذ الشخص ‘متعته’ يصبح مستعدا لارتكاب الجرائم”.

ويضيف “باختصار عدم التوازن في هرمونات الدماغ يدخل الشخص في دهاليز الإدمان، وقد أثبتت الدراسات أنه بعد مرور ستة أشهر على تعاطي المخدرات يعاني المدمن من ازدواجية جزئية في الجهاز العصبي، إما كآبة أو ازدواجية شخصية”.

كما شرح رئيس قسم الأمراض العصبية في مستشفى “أوتيل ديو”، البروفيسور حليم عبود، لموقع “الحرة” أن “المخدرات تؤثر بشكل مباشر على الجزء الأمامي من دماغ المتعاطي، حيث تؤدي إلى خلل في إفراز الهرمونات وتغيرات في الخلايا الدماغية من هنا نجد المتعاطين في حالة ضياع وهلوسة”.

ويؤكد “يعتبر الجزء الأمامي من دماغ الإنسان منبها يراقب تصرفاته فهو المسؤول عن تعريفه بالخطأ والصواب، وتحت تأثير المخدرات، لا سيما الهيرويين والكوكايين كذلك الحبوب المخدرة، يفقد المتعاطي قدرته على التمييز بين الذي يمكن فعله من عدمه، من هنا قد يقدم على ارتكاب جريمة من دون أن يعي ما يفعله”.

ويضيف “من جانب آخر قد يرتكب (المتعاطي) جريمة بهدف تأمين المال لشراء المخدر إذ بالنسبة له يصبح المصدر الوحيد لسعادته، حيث يفتقد هذا الشعور من دونه وذلك على عكس الشخص الطبيعي، لذلك نرى أن أكثرية الذين يرتكبون جرائم هم من الطبقة الفقيرة بينما من يملكون المال يموتون بجرعات زائدة”.

هل من أمل بالخلاص؟

وفيما إن كان العلاج يساعد في عودة دماغ المتعاطي إلى طبيعته، أجاب البروفيسور عبود “نعم إذا تمكن من التوقف نهائيا عن الإدمان، لكن عودة إفرازات الهرمونات بشكل طبيعي أمر يحتاج وقتا”، في حين أكد الدكتور سليمان أن “الدراسات تشكك في إمكانية عودة المدمن إلى طبيعته”.

ويقول رئيس جمعية “عدل ورحمة”، الأب نجيب بعقليني، لموقع “الحرة”: “ارتفعت نسبة تعاطي المخدرات في لبنان بشكل مرعب ومعها نسبة الجرائم، إذ عادة ما يلجأ بعض الأشخاص إلى الحلول السهلة للهروب من الواقع المزري، فقبل الأزمة الاقتصادية وجائحة كورونا كان هناك مرتهنون للمخدرات فكيف الآن؟”

وأظهرت إحصاءات قوى الأمن الداخلي أنه منذ بداية العام حتى 30 نوفمبر الماضي “تم توقيف 92 تاجر مخدرات و23 ناقلا و458 مروجا و1086 متعاطيا”.

وتحدث الأب بعقليني عن أن “العلاج يكون بالبدائل، أي من خلال أدوية توازي المخدر، فترة التحرر تستغرق بين سنة واثنتين بحسب إمكانيات مريض الإدمان، الإحاطة والمتابعة والمرافقة له، ومنهم من يضطرون إلى تناول الدواء لسنوات طويلة، كي لا يعاودوا الاتجاه نحو الأفيونات، فمن خلالها تتحسن أحوالهم النفسية ويعودون نوعا ما إلى حياتهم الطبيعية”.

وأضاف الأب بعقليني “على الرغم من أهمية الدواء البديل إلا أنه فقد قبل أسبوعين حتى بات هناك سوق سوداء لبيعه، وُعدنا من وزارة الصحة بتأمينه لمدة أربعة أشهر، وبعد أن كان مقررا رفع الدعم عنه تم التراجع عن ذلك، وإلى حين توفره من جديد يمر من يتعايشون مع الدواء في مرحلة صعبة، حيث يعود التوتر النفسي والعقلي والعاطفي إليهم وقد يندفع المريض نحو السرقة، القتل والشر”.

بين القانون والإهمال

تعاطي المخدرات جنحة تعاقب عليها المادة 127 من قانون المخدرات، وأشار العقيد مسلم إلى أن المادة 199 من هذا القانون تنص على إنشاء  لجنة وطنية لمكافحة الإدمان مركزها وزارة العدل.

وقال: “إذا أفاد المجرم خلال أي مرحلة من مراحل التحقيق معه أنه يرغب في العلاج تتوقف جميع الملاحقات بحقه، يتقدم بطلب إلى اللجنة التي تحيله على أحد المصحات المتخصصة للخضوع للفحوصات اللازمة والالتحاق بأحد مراكز العلاج بعد أن يوقع تعهدا بقبوله الخضوع لذلك، وبعد حصوله على شهادة شفاء يبرزها أمام اللجنة التي تعطيه شهادة تعافٍ، يقدمها لمكتب مكافحة المخدرات وتنتهي التعقبات بحقه”.

لكن الدكتور عثمان اعتبر أن الإهمال من قبل الدولة اللبنانية في ملف المخدرات كبير، إذ أن “عدم توقيف المتعاطين، وغياب أي تنظيم للسجون يزيدان من الجرائم التي تقع تحت تأثيرها، فمن يتعاطى المخدرات يعلم أنه لن تتم محاسبته لا سيما مع انتشار فيروس كورونا والخوف من زيادة اكتظاظ السجون”.

ويضيف “كما أن مراكز علاج الإدمان في لبنان تجارية ولا رقابة عليها من قبل الدولة، وفي المستشفى الحكومي الوحيد الذي يعالج هذه الحالات، يفرض على مريض الإدمان دفع مبلغ مادي كان محدداً قبل ارتفاع سعر صرف الدولار بـ400 دولار، على الرغم من أن وزارة الصحة تتكفل بالعلاج”.

الحل الوحيد لموضوع المخدرات بحسب عثمان “وضع خطة استراتيجية شاملة بين كل الإدارات الرسمية وأن يتم تنفيذها، فالعلاج يحتاج إلى آلية ثابتة، وعلى وزارة العدل تفعيل عمل اللجنة الوطنية لمكافحة الإدمان وتحويل مرضى التعاطي إليها، وكذلك وقف تدخل السياسيين في ملفات المخدرات”.






الحرة