هل رفض بن سلمان أن يتصل ماكرون بعون من جدة؟

أحمد عياش – النهار

هل كان الرئيس الفرنسي #إيمانويل ماكرون بحاجة ليعلن بعد لقائه السبت الماضي في جدة ولي العهد السعودي الامير #محمد بن سلمان، انه سيتصل الاحد من باريس “بالرئيس اللبناني ميشال عون؟”. تجيب أوساط لبنانية على معرفة وثيقة بفرنسا ان ما صرّح به الرئيس ماكرون بدا وكأنه صدى لتطور ما حدث خلال اللقاء مع ولي العهد السعودي. فما هو هذا التطور؟




قبل الدخول في تفاصيل ما جرى في هذا اللقاء، بدا واضحا ان البيان الذي صدر عن الديوان الملكي السعودي أحدث مفاجأة ترددت اصداؤها فورا، وهي تمثلت بالإعلان عن اتصال هاتفي ضمّ كلاً من الأمير محمد بن سلمان والرئيس ماكرون ورئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي. ومضى البيان عارضا بإسهاب ما أبداه الرئيس ميقاتي من “تقدير لبنان لما تقوم به المملكة العربية #السعودية وفرنسا من جهود كبيرة للوقوف إلى جانب الشعب اللبناني، والتزام الحكومة اللبنانية باتخاذ كلّ ما من شأنه تعزيز العلاقات مع المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون ورفض كل ما من شأنه الإساءة إلى أمنها واستقرارها”. وانتهى البيان الى اعتبار ميقاتي هو الطرف الثالث في الدول الثلاث المعنية التي “تمّ الاتفاق” بينها على “العمل المشترك لدعم الإصلاحات الشاملة الضرورية في لبنان”. كما تمّ التأكيد على “حرص المملكة العربية السعودية وفرنسا على أمن لبنان واستقراره”.

تلفت الأوساط المشار اليها عبر “النهار” الى ان اللقاء السعودي – الفرنسي كان على مستوى رئيسَي دولتين. وإذا كان من رأس للدولة في لبنان، فمن المفترض ان يكون رئيس الجمهورية ميشال عون، الذي هو من موقعه الرسمي “رئيس الدولة” وفق ما تقول المادة 49 من الدستور. لكن حصر الاتصال خلال اللقاء الارفع مستوى بين السعودية وفرنسا برئيس الحكومة اللبنانية، إنطوى على تجاهل كامل لرئيس الجمهورية الذي كان عليه ان يتبلّغ لاحقا من ميقاتي ما تم في الاتصال، مثله مثل رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي تلقّى اتصالا مماثلا من رئيس الحكومة.

وفي رأي هذه الأوساط ان حصر الاتصال بين جدة وبيروت السبت الماضي بالرئيس ميقاتي، ليس تفصيلا صغيرا، وإنما يعبّر عن أحوال العلاقات بين قصر بعبدا وبين القصر الملكي السعودي. ولعل في ما كتبه مشاري الذايدي في صحيفة “الشرق الأوسط” بالأمس يكشف عما وصلت اليه هذه العلاقات عندما يشير الى ان “المسؤول الأول والأخير(عما حلّ بلبنان) هو الحزب الإيراني في لبنان المسمّى “حزب الله”، والذي حاول رئيس لبنان ميشال عون، في حواره مع قناة “الجزيرة” أخيراً، تطبيع هيمنته على القرار اللبناني بالقول إن الحزب يمثل ثلث لبنان!”.

وتابعت الأوساط قائلة: “ان دوائر القرار في الرياض تتابع بدقة ما يجري في لبنان، وهي على معرفة تامة بما يجري فيه، ومن ضمن هذه المتابعة سلوك الحكم اللبناني”.

ونصل الى السؤال: هل رفض بن سلمان ان يتصل ماكرون بعون من جدة؟ تؤكد الأوساط نفسها انه بالفعل كان هناك تشاور بين الجانبين الفرنسي والسعودي حول الجهة الرسمية التي سيتم الاتصال بها خلال اللقاء، فأبدى الجانب السعودي رفضا مطلقا أن تكون هذه الجهة الرئيس عون. وعلى ما يبدو جاء هذا الرفض ردا على اقتراح فرنسي ان يكون رئيس الجمهورية اللبنانية هو من يجب إشراكه في الاتصال الثلاثي. وامام هذا الرفض، كان الاقتراح ان يكون الاتصال ببيروت من خلال الرئيس ميقاتي الذي هو الشريك في السلطة التنفيذية مع الرئيس عون. وقد وجد الاقتراح الأخير قبولا من جانبَي اللقاء إنطلاقا من العلاقات الوثيقة التي تربط ميقاتي بالاليزيه، وكذلك إنطلاقا من رضى المملكة على طريقة مقاربة رئيس الحكومة اللبنانية للازمة الديبلوماسية الأخيرة بين الرياض وبيروت.

غير ان الرئيس ماكرون، سواء أدرك الامر بنفسه، أو انه تلقّى ملاحظة من فريق العمل الذي واكبه في زيارته للمملكة، كان بحاجة الى الإعلان عن الاتصال الذي اعتزم اجراءه بعد عودته الى باريس مع الرئيس عون وذلك من باب “رفع المسؤولية” عنه في هذا السلوك الاستثنائي في العلاقات بين فرنسا ولبنان.

في مراجعة للانباء التي تبثها “الوكالة الوطنية للاعلام”، التي تمثل الجهة الرسمية التي يمكن العودة اليها لتتبع نشاطات رئيس الجمهورية، تبين انه منذ السبت الماضي وحتى إعداد هذا المقال الاثنين، لم يصدر أي نبأ عن اتصال تلقّاه الرئيس عون من نظيره الفرنسي الذي اعلن من جدة انه سيجريه. وتبقى هناك فرضية ان الاتصال قد حصل فعلا وجرى الاتفاق على عدم إذاعته.

والسؤال الذي يطرح نفسه: كيف يمكن بلوغ الأهداف التي تضمّنها البيان المشترك السعودي – الفرنسي والتي بدت وكأنها المعبر الحقيقي لاستعادة العلاقات الطبيعية بين بيروت والرياض؟

أخذاً بالاعتبار هذا الجفاء بين الديوان الملكي السعودي وبين قصر بعبدا، سيكون من الصعب جدا توقّع ان تمضي اهداف البيان المشترك الى التنفيذ. ومن يعود الى آخر المواقف الإعلامية التي اعلنها الرئيس عون في عيد الاستقلال يتبيّن ان الأخير يمضي في الاتجاه المعاكس تماما لما دعا اليه البيان المشترك السعودي – الفرنسي. فهو، أي رئيس الجمهورية، عندما سئل: هل يُعزى الموقف السعودي السلبي، ومن خلاله الخليجي، إلى تحالفه مع “حزب الله”؟ فأجاب: “هو أولاً تفاهم وليس تحالفاً. الجميع يعرف، العرب والأميركيون والأوروبيون، أنني لا استطيع محاصرة حزب الله الذي يحترم بالنسبة إليّ ثلاث قواعد أساسية لا غنى عنها: القرار 1701، الاستقرار الداخلي، عدم التعرّض لسفراء الدول التي صنّفته حكوماتها منظمة إرهابية أو رعاياهم كالأميركيين والبريطانيين والألمان ودول عربية…”

لا داعي تكرارا الى تبيان التناقض بين مواقف عون وبين حقيقة “حزب الله”. ولعل رئيس الجمهورية في قرارة نفسه غير آبه ان يكون الطرف الثالث في الاتصال الهاتفي الذي جرى السبت الماضي بين جدة وبيروت. فهو يرى “تفاهمه” مع “حزب الله” أثمن من “الشرف” الذي كان سيحظى به، وتاليا الالتزامات التي ستُلقى على عاتقه، فيما لو كان هو من تحدث اليه ولي العهد السعودي والرئيس الفرنسي.