بانتخاب “رئيس” قبل “الموعد” يتجنَّب لبنان فراغاً شاملاً

سركيس نعوم – النهار

صار ال#لبنانيّون مُقتنعين بأنّ الصيغة والنظام اللبنانيّين قد أسلما الروح وإن لم تعترف المنظومة السياسيّة المُتنوِّعة بذلك. فهي لا تزال تُراهن على أعجوبة ما تُعيدهما إلى الحياة وتُفسح أمامها في مجال الاستمرار في الحكم بل في استغلاله لتحصيل المكاسب وتكديس الثروات بطُرق مخالفة للقوانين الوضعيّة كما للقوانين الإلهيّة. وصاروا مُهيّئين عمليّاً لتقبُّل اجتماع زعمائهم أي قادة الطوائف والمذاهب والأحزاب والقبائل وإن برعاية أجنبيّة من دونها لا أمل في اجتماعهم، وذلك بهدف التفاهم على صيغة ونظامٍ جديدين للبلاد. قد يكون من الأفضل أن يأتي هؤلاء إلى اجتماعٍ من هذا النوع مُستعدّين لتقويم مسيرة لبنان الدولة منذ استقلالها حتّى اليوم، ولتحديد الأسباب التي جعلتها تُواجه تحدّيات سياسيّة وأمنيّة وعسكريّة داخليّة وخارجيّة في آن، ثمّ الانطلاق من ذلك إلى البحث الجدّي عن صيغة ونظام يجمعانهم ومن يُمثّلونهم في دولة واحدة قابلة للحياة.




لكنّ ذلك وحده لا يكفي لإنقاذ لبنان هذا على افتراض حسن النيّة عند الزعماء المُشار إليهم أعلاه وهو ما ليس ثابتاً حتّى الآن. إذ يحتاج إلى عاملين داخلي وخارجي كي يبدأ وتالياً كي يُحقِّق النتائج المرجوّة منه. العامل الداخلي هو تحديد اللبنانيّين خياراتهم إذ السؤال الذي يطرح نفسه هو هل تُريد شعوبهم دولة واحدة مختلفة عن الدولة التي قتلوها والتي يدفنوها الآن؟ هل يُريدون دولة علمانيّة ولا نقول مدنيّة لأنّ في الأخيرة تبقى بذور الاختلاف الدينيّ والمذهبيّ حيَّة وقابلة لتعطيل الدولة الجديدة؟ هل يُريدون دولة لامركزيّة هي عمليّاً فيديراليّة لاقتناعهم بأنّ اختلاف أديانهم ومذاهبهم يمنعهم من العودة إلى دولة مركزيّة لكن طائفيّة ومذهبيّة مُتقاتلة شعوبها دائماً على المناصب والمواقع والمنافع رغم الشعارات الوحدويّة الكاذبة، مثل الديموقراطيّة التوافقيّة والميثاقيّة وحكومات الوحدة الوطنيّة والمساواة؟ هل الدولة اللامركزيّة أو الفيديراليّة قابلة للحياة في لبنان جرّاء غياب التوازن الديموغرافي بين الشعوب وقدرة أيٍّ منها وبمساعدة الخارج على السيطرة عليها بوسائل عدّة؟ أمّا العامل الخارجي فهو اقتناع الجهات الإقليميّة الكبرى المُتقاتلة في المنطقة وفي لبنان بواسطة أبنائه بل شعوبه والجهات الدوليّة المُتقاتلة بواسطتها، بأنّ وقت الانتقال سواء من الحرب المُباشرة أو بالواسطة قد حان، والعمل معاً من أجل وضع نظام إقليمي جديد يوفِّر استقراراً ومناخاً يسمح للبنانيّين المختلفين على كلِّ شيء بالعمل معاً مرّة جديدة لوضع صيغة جديدة لبلادهم ونظام ثُمَّ لبناء دولة لا يشعر أبناء كلُّ شعبٍ من شعوبها بالخوف أو بالظلم وتالياً بالحاجة إلى خارجٍ ما لحمايته؟

طبعاً الأجوبة عن الأسئلة المتنوِّعة أعلاه غير موجودة حتّى الآن. فالتكاذب هو سيِّد الأحكام في لبنان بين الطوائف والمذاهب والارتهان إلى الخارج سواء طلباً للحماية أو دعماً لصيغة فئويّة تحكم البلاد لا يزال سارياً رغم الأطروحات “الوطنيّة والقوميّة والدينيّة والمذهبيّة” التي يسمعها اللبنانيّون كلَّ يوم. علماً أنّها بعيدة كلّ البعد في جوهرها عن القيم الأربع الواردة أعلاه ضمن مزدوجين. لكنّ ذلك لا يعني استحالة وجود مخارج تسمح للبناني العائش بلا دولة حاليّاً أو بما تبقّى منها وهو في انتظار ظروفٍ أفضل تفتح له طريق المواطنة في دولة جديّة عندما يحين أوان ولادتها. المخرج الأوّل والأهمّ هو عدم إيقاع ما تبقّى من الدولة الحاليّة في الفراغ النهائي. أي موت السلطة التشريعيّة جرّاء عدم إجراء انتخابات نيابيّة في موعدها الدستوري، وعدم وجود مجلس نوّاب ينتخب رئيساً للجمهوريّة قبل انتهاء ولاية الرئيس الحالي في النصف الثالث من تشرين الأوّل 2022. فضلاً عن أنّ إجراء انتخابات نيابيّة لا يعني حتماً عدم وقوع رئاسة الجمهوريّة في فراغ جرّاء عجز البعض عن انتخاب من يُشغلها كما تواطؤ البعض الآخر لمنع انتخابه. المخرج اليوم وإن غير نهائي هو دعوة رئيس الدولة إلى اجتماع وطنيّ يُقرِّر إذا كان اتفاق الطائف قد مات، ويسعى إلى وضع بديلٍ منه مقبولٍ من الجميع، أو يُقرِّر أنّه لا يزال صالحاً لكنّه يحتاج إلى تعديلات مُعيَّنة كما إلى تنفيذ ما لم يُنفَّذ منه. لكنّ المعلومات المتوافرة لا تُشير إلى أنَّ رئيس الدولة مُستعدٌّ لذلك لاعتبارات صار اللبنانيّون يعرفونها دونما حاجة إلى تكرار سردها. كما أنّها تُشير إلى وجود قوَّة داخليّة رئيسيّة هي الأكبر والأقوى على كلّ الصعد ترفض اتفاق الطائف والصيَغ التي طُبّقت قبله وفشلت والأخرى التي حُلِمَ بها من زمان ولم ترَ النور. الحلّ في حالٍ كهذه كما في ظلّ عدم مبادرة الخارجَيْن الإقليمي والدولي إلى إجبار اللبنانيّين على الاجتماع ورعاية مباحثاتهم الهادفة إلى صياغة دولة جديدة لهم، على الأقل في المرحلة الراهنة.

هل يعني ذلك أنّ الطرق مسدودة كلٌّها وأن الأمل مفقودٌ في خطوة تُمكِّن شعوب لبنان من انتظار حلٍّ أو تسوية في الوقت المُناسب، وإن في ظروفٍ معيشية بالغة الصعوبة؟ الفاتيكان لا يعتقد ذلك. والمعلومات الواردة منه إلى جهات لبنانيّة عدّة تُشير إلى اقتراح لا يمنع حرب لبنان السياسيّة والأمنيّة ولا يوقف حرباً عسكريّة يُمكن أن تندلع قريباً، لكنّه لا يُكرّس وفاة الدولة رغم انهيار مؤسّساتها، ويضع اللبنانيّين أمام مصير مجهول. والاقتراح هو إقدام مجلس النوّاب الحالي، قبل انتهاء ولايته أي قبل نحو ستّة أشهر من انتهاء ولاية رئيس الجمهوريّة وخوفاً من فراغ نيابيّ يعقبه لاحقاً فراغٌ رئاسيّ، على انتخاب رئيسٍ جديد للجمهوريّة. طبعاً لن يكون الرئيس المُنتخب قبل الموعد الدستوريّ شريكاً للرئيس الحالي. لكن يُستحسن أن تقوم بينهما علاقة تُمكِّن المُنتخَب من الإطّلاع على الأزمات والمشكلات فيُصبح قادراً عند تسلّمه المنصب الأوّل في البلاد قادراً على البدء فوراً بالعمل. هذا الاقتراح ليس جديداً. إذ طُبِّق قبل انتهاء ولاية الرئيس (الراحل) سليمان فرنجية عام 1976 بستّة أشهر. والاقتراح نفسه فكَّر فيه الفاتيكان قبل مدّة وربّما استمزج في شأنه آراء قيادات لبنانيّة عدّة، وقد نشره “الموقف هذا النهار” في حينه. ويبدو استناداً إلى المعلومات المتوافرة أنّه أي الفاتيكان قد يطرحه مُجدّداً في صورة شبه رسميّة إذا رأى أنّ قادة لبنان يأخذون شعوبه ودولته وفي سرعة قياسيّة بل متهوّرة إلى الموت. فهل تقبل هذه الشعوب الاقتراح الفاتيكاني، وهل تقبله الدول الإقليميّة المتمسّكة بلبنان بقوى من داخل كما الدول الكبرى التي لن تُطلق بعد صفارة النهاية لعدم استقرار لبنان وحروب المنطقة قبل تأمين مصالحها؟