فايز قزّي: ميشال عون لن يترك القصر الجمهوري!

من الصعب الحوار مع السياسي اللبناني فايز قزي صاحب التجربة الطويلة في العمل السياسي، حيث بدأ بعثياً، وانتمى إلى المقاومة الفلسطينية، وآمن بالجنرال ميشال عون كمشروع سياسي، ولعب الدور الرئيسي في إتمام صفقة عودته من المنفى الباريسي، قبل أن ينفضَّ عنه حين انقلب الجنرال على كل ما كان يُؤمن به، وذهب إلى عقد اتفاق سياسي مع الأمين العام لـ«حزب الله» في شباط/فبراير 2006. منذ ذلك التاريخ، يعتبر قزي أنه تحوَّل إلى كشّاف لخبايا ومشاريع وأهداف «حزب الله» وولاية الفقيه، ومتبحراً في ما يصفه اليوم احتلالاً إيرانياً للبنان، مُدوِّناً حصاد عقدين من البحث في غير كتاب، لعل أهمها: «من حسن نصر الله إلى ميشال عون – قراءة سياسية لحزب الله» و«حزب الله – أقنعة لبنانية لولاية إيرانية».
قزي الذي خَبِر ميشال عون طويلاً، ووصفه بـ«حارس قبر الجمهورية»: عنوان كتابه الأخير عن رئيس الجمهورية، يرى أن الرجل لن يترك قصر الرئاسة في بعبدا بعد انتهاء ولايته في 31 تشرين الأول/أكتوبر 2022 وأن مشهدية 2016 التي قامت على «الفراغ أو عون» ستتكرَّر من جديد، مع إضافة على المعادلة تقول: «الفراغ أو عون أو الصهر (جبران باسيل)».
وهنا نص الحوار:
○ أنت الذي تعرف رئيس الجمهورية ميشال عون جيداً، برأيك هل سيُسلِّم الرئاسة بطريقة سلسلة عند انتهاء ولايته؟
•الرجل الذي عرفته كان «الجنرال ميشال عون» الذي كان يريد حل الميليشيات (الحزب الاشتراكي وحركة أمل والقوات اللبنانية) والذي أعلن الحرب على سوريا، إلى أن عاد من منفاه من باريس، وأنا من الذين ساهموا بعودته، وافترقنا بعد الانتخابات النيابية عندما فاجأني بالذهاب إلى كنيسة مار مخايل في 6 شباط/فبراير 2006 حيث عقد ما أسميته «زواج المتعة» مع السيد حسن نصر الله وما أنتج من ويلات وكوارث.
هذا الرجل حلمه الدائم التفرّد بقيادة لبنان، سواء من خلال رئاسة الجمهورية أو قيادة الجيش أو رئاسة الوزراء، وهو اليوم مع أفول تجربته السياسية ما زال متمسكاً بهذا الحلم، إن لم يكن له شخصياً فلوريث يفضله أو لصهرٍ. في كتابي الأخير «حارس قبر الجمهورية» كان لي تصوّر بأن عون سيبقى في بعبدا، وأنا لم أُسمه رئيساً إنما حارس. لن يترك قصر بعبدا (القصر الذي حوَّله إلى قبر) مستنداً إلى فكرة جديدة وضعها وزير العدل الأسبق المقرّب منه سليم جريصاتي، وتقوم على أن الفراغ لا يجوز أن يحل في هذا المنصب، وأن لرئيس الجمهورية الحقّ بالبقاء لإدارة هذه المؤسسة التي تسهر على وحدة البلاد إلى أن يأتي مَن يتسلّمها، والإخراج متوفر عنده وهو الذي اعتاد على الاستناد إلى القوة والتعطيل والفراغ، ثمَّ تطوَّر كلامه إلى أنه سيبقى في حال طلب منه مجلس النواب البقاء، بمعنى أنه أضاف تعديلاً مع عدم التنازل عن الأول. هو قال إذا مدَّد لي المجلس النيابي سأمدِّد، لكنه لم يقل إنه سيترك ويمشي إذا لم يتم انتخاب رئيس جديد. عون حوَّل الجمهورية إلى ولاية، والوطن إلى ساحة مستباحة، والشعب العظيم إلى شعب جائع ذليل تائه كما اليهود التائهين.
○ كنت من القائلين بأن «حزب الله» يسعى دائماً للفراغ، فهل ما زلت عند قناعتك هذه؟
•الفراغ سيبقى حاكماً إلى أن يتحقق ما يقوله حزب الله في أدبياته، أي الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لقيام الدولة الإسلامية في لبنان؟ الواضح للجميع أن «حزب الله» هو القوة الرئيسية المسيطرة في لبنان، والتخلّص منها ربما يكون من خلال المقاومة أو عبر اتفاق دولي ضمن الاتفاق النووي الإيراني. القول إن «الحزب» يُسيطر على لبنان هو تعبير مخفّف للحقيقة، وهي أن «الحزب» يحتل لبنان في الأصل والشكل، احتلاله أصبح ناشئاً ولا ينقصه إلا «الإعلان»، وربما يكون بعد مفاوضات فيينا التي استؤنفت في جولة جديدة. فإما أن يُعلنَ وضع اليد على لبنان أو يُكمل بمشروع آخر.
○ وهل من السهولة تحقيق هكذا مشروع في لبنان التعددي؟
•الواقع الفعلي أننا في حالة احتلال. الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران ذكر في كتابه «مذكرات مقطوعة» أن أي سلاح في دولة مستقلة خارج سلطة الدولة له تصنيفان فقط؛ إما سلاح ثورة على النظام أو سلاح احتلال. «الحزب» لا يقوم بثورة في لبنان إنما أصبح هو النظام. إذن يبقى الاحتمال الثاني وهو الاحتلال. فهو ينقل أسلحته بارتياح تام ويختصر مؤسسات الدولة من رئاسات الجمهورية والمجلس والحكومة إلى المطار والمرفأ مروراً بوزارة الدفاع. هذه المظاهر تُشير إلى الوجود الفعلي للاحتلال، الذي لا ينقص إعلانه إلا اكتمال ظروفه السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
في وثيقته السياسية زايدَ «الحزبُ» حتى على غُلاة «قوى 14 آذار» بإعلانه أن لبنان وطن لأبنائنا وآبائنا وأجدادنا، لكن إذا قمنا بدراسة هذا الكلام دراسة شاملة، سنجد أن هذا هو الاحتلال المقنّع، يمكن أن تطبّقه إيران في لبنان كما تطبّقه في سوريا والعراق واليمن.
○ »الحزب» يُعلن في أدبياته أنه يريد دولة إسلامية، والشيخ نعيم قاسم قالها صريحة: سنُعلنها إذا الأكثرية طلبت ذلك عبر استفتاء!
•نعيم قاسم نقلها من «وثيقة المستضعفين» التي تقول بشكل واضح في البند الأول منها: «نحن أبناء حزب الله في لبنان، نعتبر أنفسنا جزءاً من أمة الإسلام في العالم التي نَـصَـرَ الله طليعتها في إيران». الشيخ قاسم يقول إنه لن يفرضَ الإسلام على الآخرين، بل نُحضِّر الواقع ليُصبحَ الإسلام مفهوماً، حتى إذا طرحناه كنظام سياسي بديل للبنان لن يختار اللبنانيون سواه.
○ انطلاقاً من نظرية أن «الحزب» يُريد هذا المشروع، ألا ترى أن هناك صعوبة في ذلك، فالتربة اللبنانية ليست خصبة ورخوة إلى الحد الذي يسمح له بذلك؟
• في لبنان مقاومون كُثر لهذا المشروع، وسأقول شيئاً على مسؤوليتي، فأنا قريب من الجنوب وأعرف الجنوبيين جيداً، وكان لي رفاق من الجنوب في المقاومة الوطنية اللبنانية، وأنا أعرف أن الأشد حماساً والأكبر تعصّباً، هم هؤلاء الذين لا نفهمهم، والذين أساء إليهم بعض السياسيين الذين مرّوا بالتجارب الأخيرة. لقد أساءوا لهم لأنهم عندما يريدون مهاجمة «الحزب» يقولون: «الهيمنة الشيعية» و«الوصاية الشيعية»، هذا ليس صحيحاً، يوجد في الطائفة الشيعية مناضلون ضد مشروع «حزب الله» أكثر شراسة من أولئك في الطوائف الأخرى. ليس سهلاً أن يُكمل مشروع «الحزب»، وسيُواجه بعصبيات وطنية. يا حبذا لو كان موسى الصدر ما زال موجوداً، أو يظهر شخص كمقتدى الصدر في لبنان لتبيان استحالة هذا المشروع. «الحزب» لا يقبل شريكاً له في الحكم، سواء أكان مسيحياً أم سنياً. أنا أعتبره حركة صفوية وليست شيعية، بمعنى أن لا علاقة لها بأهل البيت الحقيقيين (الإمام علي وذريته)، بل ينتمون إلى الحاكم الإيراني الفارسي إسماعيل الصفوي، الذي حكم قبل مرحلة الشاهنشاهية. أنا لا أقول هذا الكلام للحط من قيمته، بل لوصفه وصفاً دقيقاً حتى بالمفهوم الديني.
○ التخلّي عن لبنان عربياً ودولياً ربما يؤول إلى تحوّله لولاية إيرانية، ولكن برأيك هل سيسمحون بذلك؟
• لا شك في أن قداسة البابا يحمل صليب لبنان ومعه بعض الدول العربية، وكذلك أمريكا، وإسرائيل تزعم وتدّعي ذلك فلننساها. إنما أمريكا تركت جماعتها في إيران زمن الشاه، وفي أفغانستان اليوم، وفي بغداد، وحتى في اليمن، وسلّمت العراق لإيران عندما تمَّ حل الجيش العراقي. أنا كالكشَّاف، ربما أُخطئ وقد أُصيب، ولكن على الأقل إن لم يتوفر للبنان شخص كمصطفى الكاظمي (رئيس الوزراء العراقي) أو مقتدى الصدر (زعيم التيار الصدري) فلبنان مُستسلم.
○ ما المطلوب لبنانياً؟
• الأخذ بنظرية ميتران: سلّموا سلاحكم وإلا فأنتم قوة احتلال.
○ ليس لـدى «الحزب» أكثرية حتى يفرضَ رأيه كلياً ويحكم لبنان، ففي نهاية المطاف هو مكوّن شيعي لا يُشكِّل أكثر من 20 بالمئة من اللبنانيين؟
• هل تعتقدين أن وجود «حزب الله» يقتصر على السيد حسن وما يقوله عن مئة ألف مقاتل من عناصر طائفته في لبنان؟ لنعد إلى وثيقة تأسيسه التي تقول: «نحن لسنا حزباً، نحن أمة «حزب الله»، طليعة دولة الإسلام في العالم، والدولة التي انتصرت طليعتها في إيران، ونحن جزء من هذه الأمة ومن الحرس الثوري». هل تعرفين ما مهمة هذه القوة في الدستور الإيراني؟ في مقدمة الدستور الإيراني نص يقول: «ليست مهمة القوات المسلحة الإيرانية حفظ نظام الثورة الإسلامية في إيران فقط بل نشره في العالم»، أي في لبنان وفلسطين واليمن والعراق… «حزب الله» جزء من التفرّعات الإيرانية، ويقول إن وراءه أمة الإسلام كلها، إذن هو فرع من الحرس الثوري.
هذا يُظهر حجم الخطورة، لذا على البابا وأمريكا أن يعملا على القناة السرية العميقة التي تربط بين جنوب لبنان وبقية المصادر العسكرية الخارجية التي وراءها إيران والاتحاد السوفياتي، هناك خط ممتد إيران إلى سوريا ولبنان، هذا لا يحصل بفعل قوة حزب الله، بل بفعل قرار كبير.
○ أنت تُسلّم بأن لا قدرة للبنانيين على مواجهة «الحزب»؟
• إذا لم يَستعِـدْ لبنان سيادته فلن يستطيع القول بأنه عربي، بل سيقول أنا فارسي، لذلك أصحاب الفكر القومي العربي والعرب جميعاً وليس الخليجيين فقط بحاجة للبنان السيّد المستقل. لا نسمع صوتاً عربياً مرتفعاً عندما تُنتهك سيادة لبنان. قائد السُّنة في لبنان، سعد الحريري، في حالة «ربط نزاع» مع «الحزب»! نحن بحاجة إلى «بعل» جديد قد يكون اسمه كميل شمعون، أو بشير الجميّل، أو طانيوس شاهين، حتى يستعيد لبنان قواه الإقليمية العربية وأصدقاءه وأبناءه المهجّرين في دول العالم، وهم الذين غادروا مُكرهين بسبب الخلل الداخلي في البلد، إضافة إلى الذين انتشروا سابقاً لأسباب اقتصادية. هناك قوة لبنانية في الخارج إضافة إلى دعم الفاتيكان وأوروبا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة ومجلس الأمن وأمريكا وصداقاتنا في العالم يجب أن نستغلها كلها، لأننا لا نُواجه «حزب الله» فقط، إنما نواجه هذا الجبّار الإيراني مع تفرعاته.
○ غالبية القوى السياسية اللبنانية تعتبر أن سلاح «حزب الله» له وظيفة إقليمية ومرتبط بحل الأذرع الإيرانية مجتمعة، فهل هناك إمكانية حل داخلي إذا تعطّلت الحلول الإقليمية؟
• أصحاب الحل هم الإيرانيون والأمريكان ويشاركهم الروس بتوزيع مهمته، عبر اتفاق يُطمئن إسرائيل ويُبطل مهمة سلاح «الحزب» ضدها. إذا توافقوا في فيينا من الممكن أن يُصبحَ لبنان صديقاً لإسرائيل! وهذه النظرية ليست بعيدة لأن السلطة المركزية التي يأتمرُ بها «الحزب» ليست لبنانية، إنما هي سلطة الولي الفقية المعصوم. الحزب لا يأخذ قرارات ولا يعترض إنما يأتمر كالعسكري.
وإذا كان هدف طهران أن تستعيدَ أموالها مقابل الحد من نفوذها في الخارج فأنا أشك بقدرة العالم على دفع ثمن «فتوحات الخميني».
○ لكنّ جزءاً كبيراً من اللبنانيين يُدرك أن أزمة لبنان سببها الهيمنة الإيرانية على قراره (مقاطعاً)
• ما زلنا نقول هيمنة إيرانية! لم نصل بعد إلى هذا الوعي؛ أنا أُسميه احتلالاً. عام 98 نبَّهتُ أن على «الحزب» ألا يدخل الأراضي التي ستنسحب منها إسرائيل، لأننا عشنا هذه التجربة عامي 1983 و1985 في الجبل وإقليم الخروب عندما دخل الحزب الاشتراكي وما حصل من مذابح، رغم أن عناصره خليط من عدة طوائف، أنا عشت هذه التجربة ودفعت ثمنها دماً عائلياً. حسن نصر الله قال قبل شهر من الانسحاب الإسرائيلي لأبناء الشريط الحدودي: «سنأتي إليكم وسنقتلكم في فراشكم»، لذلك عندما انسحبت إسرائيل فرّوا معها. لغاية الآن، هناك 2500 عائلة لا يستطيعون العيش خارج لبنان… لماذا؟
○ لن نختلف على التوصيف، لكن ما أحاول قوله إننا اليوم نعيش مرحلة انتظار لما ستُسفر عنه المفاوضات الإيرانية – الدولية في فيينا، هل توافقني الرأي؟
• الكل في حالة انتظار، لكن «الحزب» مستمر في مشروعه إلى أن يأتيه التكليف من طهران بإعلان ولايته، وهو يمنع المحقق طارق البيطار من إكمال تحقيقاته في تفجير المرفأ ويشل عمل الحكومة.
○ في حال جاء الحل على حساب اللبنانيين، هل سنكون أمام انتهاء «لبنان النموذج» أم ما زالت هناك إمكانية لقيام مقاومة فعلية على جميع الأصعدة بما فيها العسكرية؟
• من دون شك ستنشأ مقاومة، لكن مَن الذي سيدعمها؟ وهل تكفي القدرات اللبنانية لإعادة لبنان موحداً؟ طبعاً لا. لذا ستصبح عندنا دولة مسيحية، أو دولة مسيحية – درزية، أي سنعود إلى «لبنان الصغير».
وحتى لا يعتقد القارئ أني من دعاة الاستسلام، فأنا أملك منزلاً في باريس وأحمل الجنسية الفرنسية ولكني أصررت على العيش في لبنان، وأمارس الكتابة لأُكمل عملي السياسي الذي بدأته مع حزب البعث منذ كنت يافعاً، وأنا من «المقاومة اللبنانية» إذا تشكَّلت رغم تقدمي بالعمر.
○ كلامك يعني أننا ذاهبون إلى التقسيم، فيما الذي نراه في المنطقة لا يتخطى السماح بنظام فدرالي أو حكم ذاتي مع الحفاظ على حدود الدول، والعراق خير مثال على ذلك؟
• في عقيدة «الحزب»، أنه سيبني الدولة الإسلامية في العالم. يتوقف إذا أغلقوا له «الزمام»، لن يُؤسلم كسروان وجبيل وطرابلس، لكن عليهم أن يعيشوا في دولته الإسلامية وأن يتقيّدوا بالدستور الإسلامي، لكن كم عدد اللبنانيين الذين هم على استعداد للعيش «ذميين» في هذه الحالة… خاصة وأن «الحزب» ليس معتدلاً بإسلامه؟ هذا توقعي المستقبلي، إلا إذا تمَّ «تقليم» الأذرع التي أنبتتها إيران خارج حدودها في إطار الدستور الإيراني الذي يدعو إلى تصدير الثورة وبالتالي قيادة الأمة الإسلامية وفق منطوقها.
○ برأيك، لماذا لا نرى جبهة أو وحدة لبنانية متراصة في مواجهة المشروع الإيراني، كالتي أخرجت الجيش السوري من لبنان في العام 2005؟
• الفارق كبير وبسيط، السوريون كانوا قوات غريبة، أما الإيراني في لبنان فهو جزء من الطائفة الشيعية اللبنانية، هنا الصعوبة بالتعامل. نحن أخطأنا مع الطائفة الشيعية خطأ كبيراً عندما لم نُسلّمها القيادة اللبنانية بعد فشل المارونية السياسية. اختراق الطائفة الشيعية هو العطب الأساسي الذي أصاب لبنان. هذا العطب تمدّد وأصبح قسم من المسيحيين يعتبرون أن «حزب الله» هو الذي يحميهم وليس الطائفة الشيعية، و«اليافطة» التي رُفعت على طريق المطار تقول: «رافقكتم السلامة من وطن المقاومة»، وليس من لبنان. السوري غريب وتم «قبعه» كما يريد السيد حسن «قبع» البيطار، لذا ليس بإمكاننا القياس على التجربة مع سوريا. بالأمس أحد الأصدقاء قال لي أنه إذا استعملنا توصيف «احتلال» فماذا سنفعل بشباب «الحزب»؟ فقلت له: إذا كنت سأطبِّق عليهم نظرية نصر الله، فعليهم أن يذهبوا إلى إيران أو يُحاكموا كما ذهب الشباب الذين كانوا مع «جيش لبنان الجنوبي» إلى إسرائيل.
هذه التجربة حصلت مع إمارة الشيخ خزعل (المحمّرة) التي استولى عليها شاه إيران عام 1925 ويبلغ تعدادها خمسة ملايين عربي من السنَّة والشيعة، وتُعرف بعربستان وتمت «فرسنتها» و«تشييع» أهلها باستثناء مجموعة صغيرة من الشباب ما زالت تُناضل وتقول بأن أصولها عربية. هذا هو الخطر على لبنان ومشكلته الأساسية.
○ المشكلة ليست محصورة بالتوصيف إنما بالبحث عن كيفية الخلاص من «الاحتلال» الإيراني، فما هو السبيل إلى ذلك؟
• أولاً، الوعي اللبناني، علينا أن نبذل جهداً كبيراً لأن الصورة غير واضحة، هناك البعض يتصوّر أننا عندما نقول سيادة لبنان فنحن نتهم الشيعة. هناك أناس موارنة ويعيشون في الجبل، يطلبون «عدم الضغط» على حسن نصر الله لأنه يحمينا من السُّنة! يجب تطهير المجتمع اللبناني، ونحن بحاجة إلى حركة ثقافية، اجتماعية، وطنية، تنتشر بين طلائع الشباب الذين شاركوا في ثورة «17 تشرين»، وأن يكونوا ككرة الثلج. هذا على المستوى الداخلي، أما على المستوى العربي فيجب أن نسترجعَ هويتنا العربية القومية، حتى يؤيدونا في مواجهة الفرس، فمشكلتي ليست مع الشيعي أو السني أو الدرزي إنما مع الفارسي. «حزب الله» اللبناني، يذوب لوحده، وعناصره يُقرّون بعروبتهم وخاصة ورثة موسى الصدر.
أما على المستوى الدولي، فالفاتيكان وأوروبا وأمريكا والسوفيات لا يستطيعون تحمُّل هذا الوضع، وهم يشعرون بالقلق، فالإيرانيون سيعملون على طرد السوفيات من سوريا إذا استقروا وتمكّنوا، لهذه الأسباب أنا أدعو للمقاومة لا للاستسلام.
○ »الغطاء المسيحي» الذي أمَّنه ميشال عون لـ«الحزب» ومكّنه من اختراق الساحة المسيحية، وبالتالي تشديد قبضته على الساحة اللبنانية تقول إنك تفاجأت به على الرغم من أنك كنت الأقرب إليه؟
• مواقف عون كانت نسخة عما أقوله أنا اليوم عن «حزب الله». أسمح لنفسي أن أقول إنني أعطيته الكثير من تجاربي السياسية التي لا يملكها. أَوصلتُه لأبي عمّار، وأخذته إلى العراق من أجل المساعدات، لكني تفاجأت بتفاهمه مع «الحزب» الذي كان ينظر إليه كما ننظر نحن اليوم إليه، ويقول ما نقوله اليوم عنه. الفرق أنني كنت أتكلم بالمنطق العقائدي، بينما هو كان يتكلم، إلى حد ما، بالمنطق العنصري الضيّق، الذي لم أستطع «تنظيفه» منه كلياً.
○ إذن كيف تُفسِّر تحوّله هذا… هل من أجل حلم الرئاسة؟
• التحوُّل حصل بعدما كُـلّفت بإعادة الربط بينه وبين السوريين، عقب إلقائه كلمة في الكونغرس الأمريكي ضد سوريا وإقرار «قانون محاسبة سوريا». بعدها بسنة اتصل بي أصدقاء في سوريا طارحين عودته إلى لبنان وهو كان «مستقتلاً» للعودة. أنجزت له اتفاقاً مع السوريين في نهاية 2004 لا يتضمن شرط اتفاقه مع «حزب الله». كانت عودته مشروطة بأمرين فقط، وهما ألا يتحالف مع رفيق الحريري أو وليد جنبلاط في الانتخابات، أما الباقي فهو حرّ التصرُّف به. يومها اتصلت بالحريري وجنبلاط، فأكدا لي أن لا مكان لعون أو أحد من أنصاره على لوائحهما الانتخابية المُكتملة، فارتحتُ وأعطيتُ الجانب السوري ضمانتي بأن يلتزم عون بالشرطين، وهو قبلهما، فحصل الاتفاق. لكن تفاجأت بعد أحداث الأشرفية في 5 شباط/فبراير 2006 (إحراق القنصلية الدانمركية على خلفية نشر إحدى صحفها رسوماً مسيئة للرسول)، والتي اتُهمت بها القوى السُّنية، بقفزته في اليوم التالي في 6 فبراير/شباط 2006 وتوقيع اتفاقه مع نصر الله. يومها اختلفتُ معه وقاطعتُه. ومنذ ذلك الوقت انصرفت لدراسة وضع «حزب الله» ودور إيران في لبنان.
ما علمته لاحقاً أن كريم بقرادوني واميل اميل لحود ذهبا بطلب من جماعة ميشال عون: أنطوان نصر الله وكمال اليازجي وزياد عبس، وأنجزا اتفاقية جديدة مع السوريين، تضمّنتْ أن يترشحَ مستقلاً، وأن يتصالحَ مع حسن نصر الله، وأن يُؤيّد الرئيس إميل لحود في إكمال ولايته. هذا الاتفاق كان في أواخر كانون الأول/ديسمبر 2004، وفي شباط/فبراير 2005، اغتيل رفيق الحريري فانقلب عون وجلس في بيت الحريري في فرنسا إلى جانب شيراك يتقبّل التعازي، وانضم بعدها إلى اجتماعات «البريستول»، وأصبحتْ جماعته تُـزايد بأنهم لا يقبلون بانسحاب السوريين إلى شتورة إنما إلى خارج الأراضي اللبنانية. بدأ بالمزايدة رغم أنه أنجز اتفاقاً مع السوريين قبل ذلك.
○ جبران باسيل الطامح إلى وراثة كرسي الرئاسة في بعبدا، قدَّم صك براءة لإيران عن احتلالها للبنان في خطابه في كفرذبيان، ما هي حظوظه؟
• لا أريد التنبؤ؛ هو نزع صفة الاحتلال الإيراني عن لبنان رغبةً منه بالوصول إلى الرئاسة، ومن دون قراءة الصعوبات الكثيرة والمستحيلات التي تَـحُـولُ دون وصوله إليها. باسيل عبارة عن «فرخ» اعتبر تجربة عمه ناجحة. هو مثل صدّام (حسين) الذي لم يكن يعلم أن لا حق له بالهجوم على الكويت فأرسل جيشه واحتل الكويت وحدث ما حدث. باسيل زاحف بقوة الاحتلال. وباعتقاده وعمه أن هناك نتوءات لم تُمحَ بعد، فهما يريدان إزاحة سمير جعجع وفارس سعيد وكثر غيرهم.
○ والانتخابات النيابية المقبلة هل ستحصل؟
• رأيي أنه لن نستطيع تغيير الرئاسة، فإذا كانت تحتاج إلغاء الانتخابات النيابية فستُلغى، وإذا احتاجت تأجيلها فستُؤجل، إذن الأمر مرتبط بخيار إبقاء الرجل شخصياً أو مَن يريده.
○ وإذا حصل الفراغ قبل انتهاء الولاية؟
• الوزارة موجودة والرئيس ميقاتي يستطيع تدوير الزوايا. الذي يصنعُ السجاد العجمي لا يكون مستعجلاً، احتلوا بيروت في 2008 من أجل ضابط، وكلما «كبَّرنا» الحجر «كبَّروا» هم أكثر. في كل الأحوال سيلجأون إلى الفراغ كما فعلوا عند انتخاب عون حين رفعوا معادلة «الفراغ أو عون». ستتكرر من جديد مشهدية 2016 مع إضافة على المعادلة لتُصبحَ: «الفراغ أو التمديد أو الصهر!».





القدس العربي