أسعار الأدوية تهدد فقراء لبنان بـ”موت جماعي”… “لا نقدر على الدواء ولن نقدر على القبر”!

مأساة جديدة حلت باللبنانيين بعدما ارتفعت أسعار أدوية الأمراض المزمنة، ما دفع بالبعض إلى التحذير من “موت جماعي” يهدد حياة فقراء هذا البلد.

الارتفاع الكبير في الأسعار جاء بعدما قررت الحكومة اللبنانية منتصف نوفمبر الجاري تقليص الدعم الذي كانت تؤمنه لاستيراد تلك الأدوية، وعلى إثر ذلك ارتفعت أسعارها ما بين 10 و12 ضعفا.




وتأتي خطوة الحكومة في ظل العجز المالي الذي تعاني منه البلاد منذ نحو عامين جراء الأزمة الاقتصادية الحادة، ما دفعها منذ أسابيع إلى البدء في تطبيق سياسة تقليص الدعم عن السلع الأساسية المستوردة كالوقود والأدوية.

وكان الدعم يهدف إلى منع ارتفاع الأسعار من خلال تغطية الفارق بين سعر الصرف الرسمي للدولار الأميركي البالغ 1515 ليرة، وسعره في السوق الموازية البالغ حالياً نحو 25 ألف ليرة لبنانية.

وتعد أدوية الأمراض المزمنة حاجة ضرورية للمرضى الذي يعانون من مشكلات صحية في القلب والأعصاب والسكري والكوليسترول وغيرها من الأمراض التي تستوجب تناول الأدوية بشكل دائم ومنتظم.

ومع خفض الدعم وصل مثلاً سعر دواء مرض السكري إلى نحو 500 ألف ليرة لبنانية، والصرع نحو 600 ألف ليرة، وضغط الدم نحو 300 ألف ليرة، فيما يبلغ الحد الأدنى للرواتب في البلاد 675 ألف ليرة (27 دولارا).

وقالت الطبيبة رانيا رشواني، مديرة إحدى الصيدليات في بيروت، إن ارتفاع أسعار الأدوية شكل صدمة بالنسبة إلى كثير من المواطنين، وبدأ ينعكس تراجعاً في إقبالهم على الصيدليات.

ولفتت رشواني إلى أن الزيادة في الأسعار جاءت بنسب متفاوتة بين دواء وآخر، لكنها أعطت مثالاً بأن أحد الأدوية ارتفع سعره من 17 ألفا إلى 300 ألف ليرة.

لا نقدر على الدواء ولن نقدر على القبر
لا نقدر على الدواء ولن نقدر على القبر

وقالت إنه وفق الأسعار الجديدة فإن بعض المواطنين باتوا عاجزين عن شراء أدويتهم، مضيفة “الناس يشكون كثيراً من الارتفاع الكبير في الأسعار، في حين ما تزال رواتبهم الشهرية على حالها منخفضة”.

وقال وزير الصحة فراس أبيض إن “لبنان يستورد ما يقارب 85 في المئة من الأدوية”، مضيفا “لدينا نقص في الموازنة، ولا نستطيع شراءها لأنها باهظة الثمن”.

ولفت الوزير إلى وجود 250 مركزاً للرعاية الصحية في لبنان تقدم 90 دواء أساسيا مجانا، لكنه أكد أن “الأزمة المالية كان لها تأثير سلبي على نظام الرعاية الصحية لدينا”.

وأضاف “نحاول أيضا تعزيز صناعة الأدوية لدينا في لبنان للحصول على سعر معقول جدا، مقارنةً بالعلامات التجارية المصنوعة خارج البلد”.

ومن صيدليات في بيروت عبّر مواطنون عن صدمتهم من الأسعار الجديدة، فيما حذر بعضهم من مخاطر هكذا قرار على حياة الكثيرين.

وقال المواطن سعيد دمشقي (خمسيني) إن غلاء الأدوية زاد من مأساة اللبنانيين ومن انهيارهم المعيشي، مشيرا إلى أن أدوية الأمراض المزمنة تعد حاجة أساسية للحياة مثلها مثل الطعام والشراب.

ولفت إلى أن كثيرا من المرضى باتوا عاجزين عن شراء أدويتهم، لذلك يؤجلون تناولها، وبعضهم يخففون من الجرعات التي هم بحاجة إليها، وهذا ما يشكل خطراً على صحتهم وحياتهم.

وأضاف دمشقي أن فئة معينة من الناس لا تزال تستطيع تأمين دواءها، لكن 90 في المئة من المواطنين لم يعد بإمكانهم ذلك، مشيرا إلى أن لذلك مخاطر صحية ونفسية كبيرة.

بدوره شكا المواطن أبومحمد من غلاء سعر دواء يحتاج إليه للتخفيف من البكتيريا في معدته بعدما خضع لعملية جراحية مؤخراً.

وقال إن سعر علبة الدواء يبلغ 267 ألف ليرة، فيما يحتاج إلى أكثر من ثلاث علب شهريا، أي نحو 800 ألف ليرة كتكلفة إجمالية.

وأردف أبومحمد الذي يعمل سائق سيارة أجرة أنه يصعب تأمين هذا المبلغ في ظل ارتفاع أسعار السلع الأساسية والغذائية، واصفاً الواقع بأنه “موت جماعي”.

“يعبثون بحياة الناس”، بهذه الكلمات عبّر المواطن عبد عيتاني عن سخطه من واقع الحال، وقال إن أسعار الأدوية ارتفعت بشكل جنوني، بينما رواتب والموظفين ما تزال منخفضة.

وأضاف أن “الأدوية حاجة أساسية، وعدم تمكن جميع المواطنين من الحصول عليها يعد مسألة خطرة فيها حياة أو موت”.

وسيزيد عدم قدرة اللبنانيين على شراء الأدوية من نسبة الوفيات. هذا ما تخوف منه المواطن وائل طرابلسي، مشيرا إلى أن القدرة الشرائية للمواطنين لا تكفيهم لتأمين حاجاتهم الأساسية ومن بينها الأدوية.

وأضاف “على الرغم من غلائها، ثمة أدوية غير متوافرة، لذلك يضطر كثيرون إلى استحضارها عبر أقاربهم القادمين من الخارج، لاسيما من تركيا والإمارات ودول أخرى”.

وكانت الحكومة السابقة خطت خطوة مشابهة في يوليو الماضي عندما قلصت دعم أسعار أدوية الأمراض غير المزمنة والتي لا تحتاج إلى وصفة طبية.

ومن بين تلك الأدوية، دواء يستخدم لمعالجة الجروح البسيطة، حيث ارتفع سعره من 9 آلاف إلى 113 ألف ليرة. وعلى الرغم من سعره المرتفع، فإن المواطن بهجت قبيسي مضطر إلى شرائه بسبب حاجته إليه.

واكتفى قبيسي بالتعليق قائلا “ما يحدث مصيبة، لا نستطيع القول سوى كان الله في عون الناس”.

وبحسب منظمة “الإسكوا” التابعة للأمم المتحدة، يرزح 74 في المئة من سكان لبنان تحت خط الفقر على إثر أزمة اقتصادية حادة تعصف به منذ أكثر من عامين، وصنفها البنك الدولي واحدة من بين ثلاث أسوأ أزمات في العالم.