في وداع نجيب ميقاتي – نديم قطيش – أساس ميديا

هل ثمّة مَن يُقنِع الرئيس نجيب ميقاتي أنّه بات رئيساً للحكومة؟ الرجل يتصرّف كأنّه موعود بالرئاسة، لا بصفته رئيساً حصد ثقة مجلس النواب ويداوم في السراي الحكومي. يحترف نجيب ميقاتي فروض التهدئة ولو على حساب دوره وكرامة مركزه. ويبالغ في الاسترضاء كأنّه يقدّم أوراق اعتماد لرئاسة حكومة هو رئيسها.

تكاد تكون لحظة حمل شجرة العائلة بكامل أغصانها معه إلى الفاتيكان للقاء البابا، هي اللحظة الوحيدة التي انتبه فيها “نجيب العجيب” إلى أنّه رئيس للحكومة، محاولاً تقليد أفضل مَن سبقه إلى الموقع، الرئيس الشهيد رفيق الحريري.




حسناً، نفهم ويفهم الناس أنّ “استعراضات” الموقع مغرية. لكن أين المسؤوليّات؟

أين مسؤوليّة الطامح إلى انتحال ملامح رفيق الحريري، حين انطلقت حكومته على وقع دخول حافلات المازوت الإيراني المقدّس، مصحوبةً بالزغاريد ونثر الأرزّ، وتهديدات حسن نصرالله بأن “خلِّي الدولة تمنعنا”؟

وأين مسؤوليّته اليوم إزاء التجبّر والعتوّ اللذين يمارسهما وزير صدفة من فصيلة جورج قرداحي، ولو كان الوزير مسنوداً من حزب الله؟ أليس من حدودٍ دنيا لحفظ الكرامة الشخصية والدستورية، ولو استعراضاً؟

وبين حافلات نصرالله وعنتريّات القرداحي، أين مسؤوليّة دولة الرئيس (علّه ينتبه لو كرّرناها) بإزاء اختطاف جلسات مجلس الوزراء، ومنعه من الانعقاد قبل إيجاد مخرج “يقبع” القاضي طارق البيطار، المكلّف التحقيق في انفجار مرفأ بيروت؟ هل تكفي المؤتمرات الصحافية والكلمات المبعثرة في مناسبة هنا ومناسبة هناك للتذكير بالدستور والصلاحيّات أم تحيا الصلاحيّات بممارستها؟

يتصرّف نجيب ميقاتي، ببساطة، كطامح إلى رئاسة الحكومة لا بصفته رئيساً فعليّاً يسكن السراي للمرّة الثالثة.

حكومته الأولى، عام 2005، التي شكّلها بعد اغتيال الحريري، كانت حكومة المجتمع الدولي بامتياز. وهي وإن دامت ثلاثة أشهر فقط، إلا أنّها أعلنت دخوله نادي رؤساء الحكومة، ومن بوّابة مهمّةٍ دقيقةٍ هي التمهيد لإعادة ترميم النظام السياسي اللبناني بعد الاغتيال الكبير، عبر تنظيم انتخابات نيابية، لم يشارك الميقاتي فيها.

سيعود نجيب ميقاتي إلى رئاسة الحكومة عام 2011، مكلّفاً في 25 كانون الأول من الرئيس السابق ميشال سليمان، بـ68 صوتاً هي أصوات فريق حزب الله زائداً فريق وليد جنبلاط، بعد مناورة القمصان السود ووضع المسدّس في رأس جنبلاط، كما قال الأخير نفسه. كان هذا التكليف انخراطاً موصوفاً في انقلاب حزب الله على نتائج الانتخابات النيابية لعام 2009. وبعد ستّة أشهر تقريباً نجح ميقاتي في تأليفها وانتزاع ثقة مجلس النواب في حزيران 2011، على وقع افتتاح نظام الأسد مذبحته السورية المستمرّة من مدينة جسر الشغور.

جرت مياه كثيرة في خلال حكومته الثانية، أبرزها انتقال الحريق السوري إلى لبنان بفعل تدخّل حزب الله إلى جانب النظام، متّخذاً صورة دورات عنف متتالية في طرابلس، أو سيّارات مفخّخة في الضاحية الجنوبية لبيروت. وشهدت حكومته أيضاً اغتيال اللواء وسام الحسن، أحد أكثر الضبّاط اللبنانيين خبرةً وكفاءةً وأوسعهم تجربة.

حكومة الميقاتي الثانية هي نقيض الأولى تماماً. دخل الرئاسة للمرّة الأولى محمولاً بدماء رفيق الحريري. ودخلها ثانيةً على “الدم السياسي” لسعد الحريري. انتسب إلى النادي بوساطة الموفد الدولي تيري رود لارسن، وأكّد عضويّته فيه بوساطة حسن نصرالله.

بيد أنّ “نجيب العجيب” سيدخل السراي مرّة ثالثة. وهذه المرّة مطوّباً بكامل مفردات “الشرعيّة السنّيّة” من التسمية إلى الثقة، فاعتراف “نادي رؤساء الحكومة”، فاحتضان دار الإفتاء.

الحكومة الثالثة تفيد أنّ الميقاتي لا يعتريه ضعف في مشروعيّته كرئيس كُلِّف ضدّ خيارات بيئته، ولا يسع أحد الطعن في صفته التمثيليّة، ولا تضغط عليه أيّ حاجة إلى احتضان سياسي يتجاوز الحدود المعقولة لقواعد التفاهم في لبنان. رئيس حكومة مكتمل المواصفات. وحكومته الأخيرة غير مكبّلة بحدود مرسومة سلفاً لمهمّة أمميّة، وإن كان التشابه بين الأولى والثالثة يتقاطع فقط عند استحقاق الانتخابات النيابية عام 2005 واليوم.

الحكومة الثالثة هي حكومة أكّدت عضويّته في نادي رؤساء الحكومة، ورمّمت صفته التمثيلية، وأعادت الاعتبار إلى مشروعيّته السنّيّة، وكان يفترض بها أن تشكّل منصّة انطلاق نحو دور مختلف لميقاتي، أو في الحدّ الأدنى أن تؤسّس لسمعة سياسية مختلفة عمّا هو كائن الآن.

لم يرَ الرئيس ميقاتي كلّ ذلك. بدّد على نحو مريع كلّ الرصيد الذي كان يمكنه مراكمته، مختاراً أن يختصر فرصته الذهبية بصورة في الفاتيكان يضعها في صدارة ألبوم العائلة.

هو رئيس يهندس ماضيه بعدما اختار الاستقالة من المستقبل، ويعجِّل على الأرجح في تحويل رئاسة الحكومة إلى ذكرى من ذكريات الجمهورية الثانية.