أي قرار سيتخذه الحريري لجهة خوضه الانتخابات وهل ينقلب حزب الله مجدداً على النتائج؟

ما زال الغموض يكتنف قرار رئيس «تيار المستقبل» سعد الحريري حول المشاركة في الانتخابات النيابية المقبلة من عدمها في ظل تعدد القراءات السياسية لأسباب أي عزوف للحريري عن خوض هذا الاستحقاق. وعلى الرغم من اجتماع رئيس «اللقاء الديمقراطي» النائب تيمور جنبلاط وعضو اللقاء النائب وائل ابو فاعور بالحريري في الإمارات لم تظهر بوادر واضحة حول قرار رئيس «تيار المستقبل» علماً أن جنبلاط حمل إليه رغبة في التحالف في الدوائر المشتركة وخصوصاً في الشوف والبقاع الغربي وحاصبيا وبيروت، مع سعي لترطيب العلاقة بين «المستقبل» وحزب القوات اللبنانية بما يمكّن التيار الأزرق من استعادة بريق خسره في مكان ما نتيجة التسويات التي تميّز بها سعد الحريري وانفتاحه الزائد على الثنائي الشيعي الذي استفاد منه حزب الله لتكريس هيمنته ونفوذه داخل الحكومات المتعاقبة وعلى مستوى البلد، وخصوصاً موقف الحريري التسووي بعد صدور حكم المحكمة الدولية الخاصة بلبنان التي دانت أحد أعضاء حزب الله بجريمة قتل الرئيس رفيق الحريري. وقد أدت هذه التسويات ومن ضمنها انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية والعلاقة مع صهره جبران باسيل إلى الانتقاص من الرصيد السياسي للحريري محلياً وخارجياً.

ومن المعروف أن أي إنسحاب للحريري عن خوض المعركة الانتخابية بشخصه في العاصمة بيروت، يُفقِد هذه المعركة الزخم الذي يضخّه للائحة، ويتيح للائحة المنافسة إحداث خرق أكبر ولاسيما أن الانتخابات تُخاض على القانون النسبي. وقد تكون هذه المرة هي الأكثر حرجاً للحريرية السياسية إذ لطالما شكّل «تيار المستقبل» رافعة للوائح، لكنه هذه المرة يعاني من ضائقة مادية حادة ومن علاقة غير سويّة مع المملكة العربية السعودية التي كانت على مدى سنوات الداعم الأكبر للحريري الأب وللحريري الابن. ولكن على الرغم مما يُحكى عن تراجع في شعبية الحريري في الشارع السنّي، فهذا الأمر لا يًقاس بتراجع شعبية التيار البرتقالي في الشارع المسيحي، فالتيار الأزرق لا يزال الأقوى على الساحة السنية ولو أن جمهوره يطمح لسماع خطاب أكثر مواجهة لحزب الله تماماً كما يفعل بهاء الحريري الشقيق الأكبر لسعد أو كما يفعل الوزير السابق اللواء أشرف ريفي اللذين لا يهادنان الحزب ويرفعان النبرة في وجهه.




وفي وقت يمتنع نواب من «المستقبل»عن الغوص في موضوع الحريري وماهية قراره تاركين للحريري نفسه الإعلان عن موقفه الشخصي، يذهب بعض المحللين من الخصوم إلى حد الاعتبار أن الحريري يناور في مسعى منه أولاً لاستدرار عطف شعبي حوله كما حصل إثر الأزمة التي تعرّض لها قبل 4 أعوام في الرياض، ثانياً لجعل بعض محبّي «تيار المستقبل» سواء من متموّلين أو من دول صديقة يبادرون إلى تقديم الدعم المادي بما يحلّ أزمة تمويل الانتخابات.

ولا يتوقّف الخصوم عن المقارنة بين الحريري الأب والحريري الإبن في محاولة للنيل من صورة الخلف وإظهار ضعفه قياساً إلى والده الذي شكّلت تجربته ميزة في الحياة السياسية اللبنانية، نظراً لشبكة علاقاته القوية داخلياً وعربياً ودولياً، ولأنه مثّل توافقاً سعودياً سورياً في مرحلة معينة إلى حين مجيء الرئيس السوري بشار الأسد حيث اختلطت الأوراق وظهرت ملامح الخلاف بين الحريري ودمشق التي غضبت من دعمه ضمناً «لقاء البريستول» الذي ضمّ معارضين مسيحيين ومسلمين ودروزاً للوصاية السورية على لبنان في تلك المرحلة، فيما جاء اغتيال الرئيس رفيق الحريري ليفجّر انتفاضة الاستقلال في 14 آذار/مارس ولتشكّل رداً على حركة 8 آذار التي رفع في خلالها الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله تحية الوفاء للنظام السوري.

والواقع يفيد أن حزب الله لم يبادل الحريري الإيجابية ذاتها ما عدا عدم ممانعة تسميته رئيساً مكلفاً للحكومة من دون تسميته خلافاً لما فعل مع الرئيس نجيب ميقاتي أخيراً، كما أنه لم يذلّل العقد أمام تمكين الحريري من تأليف حكومة اختصاصيين مستقلين وخصوصاً مع حليفه رئيس الجمهورية وصهره جبران باسيل على الرغم من الكلام المعسول الذي كان يقوله في الاجتماعات المعاون السياسي لنصرالله الحاج حسين الخليل. في وقت كان الحزب يتلطّى خلف الحريري مستفيداً من توزيره في الحكومات ومن توفير الحكومة الاستقرار والغطاء لسلاحه في البيانات الوزارية تحت بند المعادلة الثلاثية الشهيرة «شعب وجيش ومقاومة» ولو جرت صياغتها أخيراً بطريقة مقنّعة.

أكثر من ذلك، كان حزب الله ينقلب على نتائج الانتخابات النيابية ويعطّل مفاعيلها مستفيداً من فائض القوة حتى لو حملت هذه الانتخابات أكثرية لفريق 14 آذار كما حصل في دورتي 2005 و2009 وسبق لنصرالله أن نكث بكلامه عندما قال قبل انتخابات 2009 «ان الأكثرية النيابية التي يفوز بها أي طرف في الانتخابات المقبلة هي التي تحكم والأقلية تعارض، وصحتين على قلب يللي بيفوز» ليعود ويعلن بعد فوز 14 آذار «ان لبنان بلد خاص، ولن تعالج أزماته أو تواجه الأخطار فيه بذهنية الأكثرية والأقلية. فلبنان لا يحكم بالأقلية ولا بالأكثرية».

وهذه الوقائع تطرح علامة استفهام حول جدوى فوز الفريق السيادي في الانتخابات المرتقبة، إذا حصلت في موعدها ولم تتأجّل، طالما أن حزب الله المدجّج بالسلاح قادر على الإطاحة بمفاعيل هذا الربح إذا لم تقم جبهة متماسكة في وجهه تمنعه من الانقلاب على النتائج وفي تعطيل المؤسسات والتهديد بالقمصان السود. فغياب مثل هذه الجبهة ومسايرة فريق من هنا للحزب وقيام فريق آخر بربط نزاع معه أو اعتماد المساكنة تحت شعار «وأد الفتنة والحفاظ على السلم الأهلي» قد أضرّ بالفريق السيادي وفي طليعته الرئيس الحريري، في وقت استمر تعاظم نفوذ الحزب وواصل اختطاف الديمقراطية ونتائج الانتخابات والحؤول دون ترجمة أي فوز لفريق 14 آذار لا حكومياً ولا رئاسياً تحت طائلة التهديد بحرب أهلية.