فرنسا تجمّدُ 7 “بروتوكولات” موقّعة مع لبنان كانت قرّرت إلغاءها!

سركيس نعوم – النهار

الولايات المتحدة معنيّة ب#لبنان وتهتمّ به من زمان، وقد زاد هذا الاهتمام في أيام رئيسها السابق دونالد ترامب وخلفه الرئيس الحالي جو بايدن. و#فرنسا، الدولة التي انتدبتها عصبة الأمم للاهتمام بلبنان ومساعدته على بناء دولته وإعداده لمرحلة الاستقلال لاحقاً بعد انهزام السلطنة العثمانية في الحرب العالمية الأولى واضطرارها الى الانسحاب منه بل من كل الدول العربية التي كانت جزءاً منها، والتي ساعدته في بناء دولة حديثة في حينه وجدّية، ثمّ استمرّت مهتمّة به بعد استقلاله عام 1943 وخروج قوّاتها العسكرية منه عام 1946، فرنسا هذه لا تزال معنيّة بلبنان حتى اليوم. ولا تزال تهتم به وتساعده في أزماته وحروبه وبعد انتهائها وما أكثرها. لكنّ هناك فرقاً واسعاً بين المهمّتين المساعدتين الفرنسية والأميركية. فالولايات المتحدة تخوض معركةً في لبنان سياسية وديبلوماسية وإعلامية، وأعداؤها يقولون وأمنية أيضاً، مع “حزب الله” اللبناني الجنسية والإيراني الإيديولوجية بشقيها الديني بل المذهبي والدنيوي. وهي تبدو في نظر أعدائها راعيةً بل قائدةً للأطراف اللبنانيين المتنوّعين الذين يخوضون معه أي “الحزب” صراعاً مريراً وطنياً وسياسياً وإيديولوجياً ومصلحياً جوهره عند بعضهم المحافظة على نظام لبنان بعدما جدّده اتفاق الطائف عام 1989، وجوهره عند بعضهم الآخر إبدال هذا النظام بالفدرالية أو حتى الكونفدرالية وربّما التقسيم إذا تعذّر التوصّل الى حلّ وسط ينهي النزاعات، ويوقف التدهور الأمني – الدولتي – النقدي – الاقتصادي – الاجتماعي التي تسبّبت بها. جوهر الصراع نفسه عند البعض الآخر من اللبنانيين هو منع أعدائهم وحلفائهم في آن واحد من إحياء صيغة 1943 التي أعطت المسيحيين الكلمة الأولى بل الدور الأول في البلاد. وهو أيضاً منع سيطرة أعدائهم المزمنين من المسلمين على البلاد بعدما “شُبّه” لهم أنّها صارت لهم مع وصول (الشهيد) رفيق الحريري الى رئاسة حكومة لبنان بدعم سعودي وتزكية سورية أسدية وتحوّله زعيماً لسُنّة لبنان ومعهم لأجزاء مهمّة من المسيحيين والدروز، وأخيراً صديقاً لقسم مهم من الشيعة ليس “حزب الله” من بينهم. وتحرّكات السفيرة الأميركية مع طاقمها المتوسّع والمتنوّع خلافاً لما كان عليه أيام الحرب وبعد انتهائها تؤكّد الدور القيادي لبلادها في لبنان المشروح أعلاه. فهي نشيطة جداً وتتحرّك مع طاقمها مع مجموعات “ثورة 17 تشرين الأول” 2019 على تنوّعها واختلافاتها وتناقض طموحاتها، ومع النوّاب المستقيلين وغير المستقيلين من البرلمان، ومع قيادات سياسية عدّة إعداداً للانتخابات النيابية المقبلة. هدفها أو بالأحرى هدف بلادها من ذلك إزالة العقبات من أمام إجراء الانتخابات النيابية والسعي لكي تكون نتائجها خسارة “حزب الله” وحلفائه الغالبية في المجلس النيابي ولاحقاً انتخاب رئيس جديد للجمهورية ينسجم مع سياساتها ومواقف حلفائها من العرب بعدما قاطعوا لبنان بسبب هؤلاء. إلا أن ذلك لا يعني أن أميركا لا تقدّم مساعدة وطنية شاملة إذا جاز التعبير على النحو، وهي متابعتها مساعدة الجيش اللبناني بالسلاح المتنوّع والعتاد والتدريب والرعاية وفي الحماية سواء في أيام “الرحرحة الاقتصادية” أو أيام الذلّ الحالي والمَحْل والفقر المدقع والهوان. دافعها الى ذلك اقتناعها بأن المؤسّسة الرسمية الوطنية الوحيدة التي لم يصبها الانهيار وبأن المحافظة عليها ضرورية للقيام بدور وطني شامل يوم تنتهي حروب اللبنانيين وحروب دول المنطقة بواسطتهم وعلى أرضهم.




ماذا عن مساعدة فرنسا للبنان؟ فرنسا دولة كبرى من دون أدنى شك، ولا تزال عواطفها شعباً ومؤسّسات تجاه لبنان واضحة، ولم تعد تقتصر على المسيحيين من شعبه بل شملت أيضاً ومن زمان المسلمين فيه على تنوّع مذاهبهم. لكنّها لم تعد دولة عظمى وتالياً لم تعد قادرة على خوض حروب في المنطقة من أجله، سياسية كانت أو عسكرية أو اقتصادية، ولا على الضغط على القوى العظمى في العالم وفي مقدمها أميركا وروسيا وربما لاحقاً الصين، من أجل فك ارتباط لبنان بأزماته وحروبه كلها بما يجري في المنطقة التي لها كلها أدوار فيها ومصالح. ما تملكه فرنسا هو النصيحة والضغط من خلال الربط المنطقي لمساعدته على التخلص من انهياره دولةً ومؤسّسات بين جنوح “شعوبه” نحو السلم والتصالح والتفاهم وبين المساعدات الاقتصادية الضخمة التي يحتاج إليها لإعادة بناء نفسه نظاماً ودولة ومجتمعاً أو مجتمعات… وهي تسعى بلا كلل، منذ انفجار مرفأ بيروت أو تفجيره عام 2020، ومنذ أزماته الحكومية المتلاحقة وانهيار اقتصاده، لإقناع “الأمراء السبعة” للبنان بالقيام باللازم لإيقاف انحداره الى آخر قعر في “جهنّم”. رئيسها ماكرون كان له دور كبير في حلّ الأزمة الحكومية التي صار لها سنوات وإن لم يتمكن من تسريعه. لكن “حكومته” إذا جاز استعمال هذا التعبير التي يترأسها نجيب ميقاتي لم “تقلّع” وربما تكون دخلت مرحلة تصريف الأعمال أو اللاأعمال بعد وقت قليل من تأليفها ومن دون أن تقدّم استقالتها. وهو مستمرّ مع وزير خارجيته وطاقمه الديبلوماسي في لبنان في العمل والإيحاء بأن النجاح سيتحقّق.

لكن المعلومات الواردة من باريس ومن شخصيات موثوق بها غير لبنانية طبعاً، تشير الى بداية يأس من حلّ قريب للأزمة أو الأزمات اللبنانية الكثيرة المندلعة، وطبعاً تحرص حكومة ماكرون وفريقه الديبلوماسي وغير الديبلوماسي على التعتيم على أيّ معلومة من هذا النوع. تشير هذه المعلومات الى أن فرنسا كانت في وارد إلغاء سبعة “بروتوكولات” موقّعة مع لبنان عبر مجلس الإنماء والإعمار لتنفيذ مشروعات مهمّة عدّة يحتاج إليها مواطنوه وتبلغ قيمتها 240 مليون دولار أميركي. وقد أرسلت أخيراً الى بيروت وفداً، ولكن من دون “هَوْبَرة” إعلامية، تباحث مع المسؤولين فيها في إلغاء “البروتوكولات”. لكن الاتفاق تمّ أخيراً وبعد إلحاح لبناني رسمي وغير رسمي على تجميد هذه “البروتوكولات” مدّة ستة أشهر. فإذا تحسّنت الأوضاع خلالها أي عادت الحياة الدستورية ومجلس وزرائها، وأبدى اللبنانيون صدقاً في سعيهم الى إجراء الانتخابات النيابية ثمّ الرئاسية، وفي الإعداد الجدّي للتفاوض مع صندوق النقد الدولي، ولإجراء الإصلاحات الكبيرة الكثيرة والضرورية فإنّ فرنسا ستمدّد إبقاء التجميد ستة أشهر أخرى للتأكد من تحقيق تقدّم لبنانياً أو ستلغيه إذا كان التقدّم الذي تحقّق “حرزاناً”. إلا أنّ المؤلم هو أنّ المعلومات الباريسية نفسها أشارت الى عمولة 10 في المئة على قيمة “البروتوكولات” السبعة أي 24 مليون دولار أميركي كان قد طلبها “نافذٌ” لبناني مهمّ، وهو ربّما لا يزال متمسّكاً بها. لكن فرنسا لم توافق عليها سابقاً ولن توافق عليها لاحقاً.