ماذا لو كان الحريري يعلم؟

غسان الحجار – النهار

يحكى الكثير هذه الايام عن إحجام الرئيس #سعد الحريري عن الترشح للانتخابات النيابية المقبلة، او انكفائه عن الحياة السياسية اللبنانية تاركاً الساحة لآخرين، لعلّ من بينهم شقيقه بهاء الحريري.




الاكيد ان الخصوم والحلفاء “يبصّرون” في القرار المنتظر للحريري، وهم يبدون قلقاً من القرار وتبعاته، بل تداعياته على الساحة اللبنانية. البعض يشمت ويهزأ، والبعض مربك ويدافع عن الخطوة أياً تكن، ويحاول ان يجد لها التبريرات المسبقة، حتى لا يقع في شرك مواقفه وتصريحاته. لكن الواعين لخطورة الوضع اللبناني ودقة المرحلة يدركون ان خطوة بهذا الحجم، سيكون لها الاثر السيىء، وان كانت في النهاية يمكن ان تعبر وتُطوى بعد حين، كما مع غياب قيادات كبيرة ومؤثّرة.

وخروج سعد الحريري إنْ حصل، يحمل أبعاداً كثيرة، علماً ان انكفاءه قد يكون موقتاً، ولضرورات ظرفية لا يعلم بها الآخرون. والمشكلة ليست في شخصه، انما في الارتدادات التي يمكن ان يسببها احتجابه.

ففي الانكفاء الظاهر، يأسُ الرجل واحباطه من مسار الامور في البلد، وايضاً إنكسار امام الواقع السيىء وامام الانهيارات السياسية والمالية، والاخلاقية ايضاً، وامام تحكّم السلاح بالقرار الوطني، بما ينعكس على شرائح واسعة في المجتمع، ومن كل الطوائف، ويدفعها ربما الى خيار الهجرة اذا امكنها ذلك.

ثانياً، ان غياب الحريري عن المشهد يعيد الاعتبار الى زعامات مناطقية متعددة الاتجاه والمشرب، خصوصاً ما هو منها اكثر تشدداً وتطرفاً بخلاف ما كان عليه الخطاب السائد. وهذا الامر يبيح لأجهزة استخبارات داخلية وخارجية التدخل في الشأن اللبناني اكثر، بل التلاعب به، وزيادة منسوب المواجهات في الداخل، ولو تحت غطاء مواجهة “حزب الله” والمحور السوري – الايراني، ويوفر بيئة حاضنة لكل هذه التوجهات والولاءات. ولعلّ “الحزب”، واكثر منه الرئيس نبيه بري، يعي هذا الامر ما جعله على علاقة لا تنقطع بـ”بيت الوسط”.

ثالثا، ان انكفاء الحريري سيزيد الإحباط لدى الشارع السني، المحبط اصلاً، والذي لم يخرج بعد من “حداده” على الرئيس رفيق الحريري، الذي يمكن القول انه كان الابرز في تاريخ رئاسة الوزراء بعد الرئيس الراحل رياض الصلح. وهذا الامر سيدفع شرائح واسعة الى الانغلاق اكثر، بما يؤخر عملية التفاعل، والحوار الوطني إن وُجد في حده الادنى، بل انه يباعد السنّة عن الآخرين، الشيعة في مقام اول، والمسيحيين في المقام الثاني، واتهامهم بـ”تطفيش” الحريري ومحاولات “مصادرة” دور الرئاسة الثالثة.

رابعاً، ان الانكفاء الحريري – السنّي، اضافة الى الانقسام والتشرذم المسيحيين، والوهن الدرزي، عوامل تجعل البلد كلّه رهينة الاقوى والاكثر تنظيماً، اي الثنائي الشيعي، وبالتالي ارتماء لبنان اكثر فأكثر في حضن المحور الايراني – السوري، بما يسبب له مزيداً من الحصار والعقوبات والانهيارات.

لكن الواقع قد يكون غير ذلك، لان الخروج من الحياة السياسية ليس أمراً هيّناً، ولا هو قرار شخصي محض خصوصاً لمن يتزعّم طائفة وتياراً سياسياً، ويحمل ارثاً كبيراً، مدفوع الثمن دماء. ويمكن وصف قرار الحريري، إن اتُّخذ في هذا المجال، بأنه قرار العارف والعالِم. فالرئيس الاسبق للحكومة ورئيس “المستقبل”، يمكن ان يكون تلقّى اشارات او معلومات عن مرحلة مقبلة أشد قسوة وسوءاً على البلد، تتسارع فيها وتيرة الانهيارات، قبل تغييرٍ ما، فقرر الانكفاء الموقت، ليعود بعد انتهاء العهد، وبدء مرحلة جديدة تتغير فيها ربما قواعد اللعبة.