عن الرئيس “المدقّق”!

نبيل بومنصف – النهار

لا نظنّ أن معايير الخصومة والصراع أو الولاء والتحالف يجب أن تنطبق على أمور مبدئية ومسلّم بها بأنها أساسية في عملية إصلاح جدّية وجذرية ونهائية يحتاج إليها لبنان الانهيار، ليبدأ نهوضه من القعر. ولذا، لا بأس بأن يأخذ العهد بقوّة التدقيق المحاسبي الجنائي شعاراً رئيسياً من شعاراته المتنوّعة والأحبّ الى قلب سيّده، ويصوّره كأنه من ابتداعه ومن اختصاصه الحصري الأحادي وكأن أحداً في الجمهورية اللبنانية ليس معنيّاً به إلا هو.




وتبعاً لهذا نمضي أبعد ونقول إننا لا نرى ضيراً أبداً في “مطاردة” الرئيس #ميشال عون لمعالم التلكؤ وشبهة المماطلة أو عدم الالتزام الكامل من جانب مصرف لبنان ووزارة المال في الاستجابة الكاملة الحاسمة لمتطلبات التدقيق الذي تجريه مؤسّسة “ألفاريز أند مارسال”. ولكن هذا التسليم بمسلك رقابي ضاغط لرئيس الجمهورية على إجراء يؤمل أن يحمل نتائج إصلاحية حقيقية، لن يحجب في المقابل السؤال عمّا يعوقه في المقابل، ولماذا لا ينهج النهج نفسه، في أوضاع هي أشدّ خطورة وإلحاحاً والتزاماً من هذا الملف بل يتوقف على مواجهتها ومعالجتها واحتوائها مصير البلد كله؟

نعني بذلك، كيف تستوي صورة عهد يندفع بلا أيّ تحفظ حيث تتلاءم مصالحه وحيث يعتقد أنه يحصّل مكاسب سياسية ومصلحية ذاتية، بل وينتهك مرّات ومرّات أصولاً دستورية تتعلق بصلاحيات مجلس الوزراء ورئيس الوزراء ولا من يقف في وجهه، ومن ثمّ يتراخى ويتلاشى ويختفي وينسحب من مسؤولياته وتبعاته حين يقتضي الأمر مواجهة حلفائه الأقربين والأشدّ تسبّباً بتعطيل الحكومة ومجلس الوزراء والانتظام الدستوري والمؤسّساتي كلاً؟ كان اللبنانيون، (أو هكذا يتراءى لنا إلا إن كان الدستور والنظام صارا حرفاً ساقطاً مهملاً لدى الناس) ينتظرون من الرئيس عون أن يدشّن سنته الأخيرة في الولاية الرئاسية بما يسقط أنه لن يقبل أن يكون ما بعده كما كان قبله لجهة ما يُسمّى “الرئيس القويّ”.

وبصرف النظر الآن عن مناقشة أكبر أسطورة وهمية رافقت خطأً تاريخياً وقع فيه أربعة زعماء موارنة برعاية بكركي لدى إطلاق معادلة توصيف “القوّة” الكارثية هذه استسلاماً لضغط الفراغ الرئاسي قبيل انتخاب الرئيس الحالي، فإن سلوكيات العهد في اعتماد الصيف والشتاء على سطح واحد أسهمت في المقام الأول بإجهاض كلّ معايير القوّة الحقيقية التي لا وجود لها في معزل عن الاحترام الصارم لموضوعية دور الرئاسة والتصرّف بالحزم نفسه حيال أيّ شطط. انتظر الناس في الأسابيع الأخيرة ألّا يبقى العهد يساوم ويساير وينحاز الى فريق أجهز على فرصة أخيرة باقية، وبالكاد متوافرة، لإعادة فرملة اندفاعات البلاد نحو الانهيارات التي استنفدت الأوصاف الكارثية لمجرّد أن هذا الفريق ينام على عامل اطمئنان “قاتل” هو تغطيته المستمرّة من العهد مهما فعل، في الصحّ والخطأ، في الإيجابي والسلبي، في الانتهاك والانتظام، في السلم والحرب، في السيّئ والجيّد وكيفما كان. لو أراد العهد أن يقرن جدّيته في مطاردة المتقاعسين عن التزام موجبات التدقيق المحاسبي الجنائي لكان عليه أن يعلن نفسه أيضاً وأولاً المدقق الأول الطبيعي والمطلوب بإلحاح في مطاردة الذين يطيحون بقايا صمود اللبنانيين لا أكثر ولا أقل. لذا سيغدو الدفاع عن أيّ موقف صحيح مبدئياً للعهد كمهمّة مستحيلة، فكيف وهو يتحفنا يومياً بمآثر الازدواجية التي تطبع “مبدئيته”؟!