جوزيف الهاشم - الجمهورية

حمارُ الإنتخابات – جوزيف الهاشم – الجمهورية

هلْ ذهبَ حمارُ الإنتخابات بـأُمِّ عمْـرٍو ، فلا رجعتْ أمُّ عمـرٍو ولا الحمار عـاد…؟

أكثرُ المتضرّرين من الإنتخابات النيابية هـمُ الذين يعلنون إصرارهم على إجرائها.




في علم النفس، أنّ إعلانَ أمـرٍ ما، والتذكير بـهِ، ثم تأكيده ، ثم الإلحاحُ عليه، يترك مجالاً واسعاً للريبة والتساؤل والشكّ.

تجري الإنتخابات أوْ لا تجري…؟

في عصر الإنحطاط يلجأ القاصرون من أهل الحكم إلى المنجّمين..

هكذا في القرن السادس عشر كان الملوك يلجأون إلى التنجيم لاكتشاف طوالع المستقبل، أشهرُ المنجمين «نوستراداموس» تنبّـأ للملك الفرنسي شارل التاسع بأنّـه سيعمَّر إلى سـنّ التسعين ، فمات في الأربعة والعشرين ربيعاً.

نحنُ لن نلجأ إلى التنجيم لنكتشف طالع العمر الإنتخابي للرؤساء والمسؤولين والأحزاب والنواب، لنعرف أنّهم لا يريدون الإنتخابات.

لا يريدونها… لأنّهم من دون جميلها يستمرّون نواباً بلا مشقّات، ولا رشوات، ولا دولارات يخشون بها كشف ثرواتهم المختلسة من جيوب الناخبين.

لا يريدونها، لأنّ انتخابات النقابات والجامعات شكّّلتْ صفعةً إستباقية للقوى السياسية الفاسدة…

ولأنّ ما جـرى في أعقابِ انتخابات العراق قد شكّل مثلاً، لا بـدّ بعده من محاولة اغتيال رئيس الحكومة…

ولأنّ منجّمي الفلك يتنبأون بأنّ الموعد المحدّد للإنتخابات سيكون معرّضاً للعواصف والأعاصير والثلج والزمهرير، ولن يكون هناك موطئٌ على الأرض لِقَـدم.

أمّا عن الرغبة الأوروبية والأميركية بإجراء الإنتخابات، فعدا كونها نوعاً من التمنيات الكهنوتية، فلن يتعذّر تعطيلها بحدَث أمني.

سمعت أحـد النواب البارزين من التيار الوطني الحـرّ، يعلن في إحدى محطات التلفزة البارزة: أنْ ليس هناك انتخابات… وحين راحت المذيعة تستوضحه حول هذا الجـزْم القاطع بتعطيلها أصـرَّ مؤكّداً: أنا أقول ليس هناك انتخابات وكفى… هكذا، أعلن الرئيس ميشال عـون لجريدة «الأخبار» أنا أقول: «لـنْ أسلّم الحكم إلى الفراغ».

وهذا ما جـاء على لسان: الملك الفرنسي لويس الرابع عشر : أنا أقول: «أنا الدولة والدولة أنا»، والقانون هو الذي يفضّلهُ الملك.

لا انتخابات: يعني أنّ هذا المجلس يمـدّد لنفسه، وهذا المجلس يتمتع بالأكثرية النيابية، وهذا المجلس هو الذي يقـرّر ما يريد، وينتخب الرئيس الذي يريد، فيأتي الرئيس الخلَف على صورة الرئيس السلَف ليسدّد الضربة القاضية لما تبقّّى من حُطامِ وطـنٍ غارقٍ في بحـور العصْفِ والنـزف.

ولكن، نحن أيضاً لا نريد الإنتخابات النيابية ولا الإنتخابات الرئاسية… لأنّ انتخاب الرئيس ميشال سليمان سبقَـه فـراغٌ رئاسي على مـدى سنة ونصف السنة.

وقبل انتخاب الرئيس ميشال عـون جاوزَ الفراغ الرئاسي سنتين ونصف السنة… وهكذا استغرقت الفراغات قبل تعيـين الحكومات أشهراً وسنوات… وإذا صحَّـت النبوءات وتألّفت حكومة بالتوسّل وتقبيل اللّحـى، فلا تلبث أنْ تستحيل فراغاً وحكومة تصريف أعمال.

لا نريد هذا النوع من الرؤساء والرئاسات والحكومات والحكوميّـين لأنّ شؤون البلاد وأحوال العباد كانت أفضل ممّـا هي عليه مع وجودهم الفارغ.

لم تكن البلاد مطوّقـة بهذا الشريط الشائك الذي يعزلها عن العالمين العربي والخارجي، بل كان لبنان يحلّق في الأجواء العالمية بالبيارق الشواهق، وكان الفارس الذي يمتطي الجواد العربي الأصيل، فأصبح يلهَثُ حافـيَ القدمين على رمال الصحراء.

كانت المؤسسات أقـلَّ تفكُّكاً، وكان الشعب أقـلَّ إنقساماً، وكان الأمن أقـلَّ توترّاً، وكان القضاء أقـلَّ تمذْهباً، وكان استشفاءٌ وخبـزٌ ودواء… والدولار بلا أجنحة والطوابير بلا ذلّ، بل كان المواطن يؤمن بإنقاذ الوطن على مشارف المستقبل، فيما هو اليوم يكفر بدولته، يهاجر، ثـم يمـزّق خجلاً جـواز سفره.

منذ بداية هذا العهد حتى اليوم، لـم يمـرّ يـومٌ على لبنان بلا بليّـةٍ أوْ مصيبـة أوْ فضيحة أوْ مأساة، انهيارٌ بعد انهيار وانفجارٌ بعد انفجار حتى تكسّرت الكوارث على الكوارث، ولم يبـقَ من مكان على أرض لبنان بلا كارثة.

سلمتْ يداكُـمْ، ودام عـزّكُمْ، ولكـمُ المجـدُ والتمجيـدُ وحـلُمُ التمديد، وعلى لبنان السلام وعين الله ترعـانا.