حازم الأمين - الحرة

فضائح المذاهب اللبنانية الثلاثة – حازم الأمين – الحرة

لطالما كانت الطائفية رافدا أساسيا للفساد في لبنان، لكنها تخطت نفسها في السنوات الأخيرة وصارت هي الفساد بعينه، وهذا ليس استنتاجا جرى التوصل إليه، إنما وقائع مباشرة شهدناها في الأسابيع الفائتة. فالبطريركية المارونية خاضت معركة حماية (الأب) منصور لبكي، الذي حكمته محكمة فرنسية عليه بالسجن ١٥ عاما بسبب اغتصابه قاصرات، وفي نفس الوقت كان المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى على رأس فضيحة الشهادات الجامعية التي أعطيت لغير مستحقيها من العراقيين من قبل الجامعة الإسلامية التي يشرف عليها المجلس، بينما تولت دار الفتوى (السنية) المعركة مع قاضي التحقيق في انفجار مرفأ بيروت لمنعه من التحقيق مع رئيس الحكومة السابق حسان دياب!

ليست الصدفة هي ما جمع بين الوقائع الثلاثة، لا سيما في ظل ما يعيشه لبنان اليوم من انهيارات ترافقها كوابيس، لكنها عودة إلى أصل الصدع الذي تولى إنتاج الكارثة. فالطائفية كانت استعارة غير مباشرة للموبقات، وإذ بها تتصدرها معلنة عن نفسها وعن رغبتها بتولي الفساد بنفسها، لا عبر أقنعتها من أحزاب ورؤساء ونواب ووزراء. المجلس الشيعي صار “صرحا أكاديميا” بعد أن منحته السياسة رخصة إقامة جامعة، والبطريركية المارونية علمت بأفعال الأب لبكي منذ سنوات طويلة، إلا أنها لا ترى أن الحكم عليه مستحق، ودار الفتوى لطالما رفضت استقبال، حسان دياب، أثناء توليه رئاسة الحكومة، لكن ذلك لا يعني أنها تقبل بخضوعه لتحقيق قضائي.




نحن هنا أمام الحقيقة العارية وغير المواربة، ونحن أمام الصدع اللبناني وجها لوجه. مراكز الطوائف الثلاثة الكبرى في دولة الطائفية والمذهبية، خرجت علينا وكشفت عن وظيفتها. الغرق بالفساد ليس جديدا، لكنه هذه المرة يتمتع بقوة رمزية تحيلنا إلى حقيقة ما نحن فيه.

من الذي منح المجلس الشيعي اللبناني ترخيصا لإنشاء جامعة غير دينية؟ وأي نفوذ أتاح للكنيسة المارونية منع السلطات اللبنانية من تسليم رجل دين مغتصب للأطفال؟ علما أنه النفوذ نفسه الذي استعانت به دار الفتوى لمنع استجواب حسان دياب. الطوائف أقوى من الدولة في لبنان، لا بل هي الدولة العميقة. الطوائف هي من يحمي حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة، فهل تذكرون رفع البطريرك الماروني، بشارة الراعي، البطاقة الحمراء حين لاحت بوادر لمحاسبة سلامة؟ وصحيح أن قضية بحجم سلاح حزب الله هي أكبر من وظيفة المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، لكن المجلس تحول في السنوات الأخيرة إلى أحد حصون السلاح، وتولى مهمة الدفاع عن السلاح الذي بيد الطائفة.

وإذا ابتعدنا قليلا عن الفضائح المباشرة للقيادات المذهبية اللبنانية إلى فضائح رعاتهم من السياسيين، سنعود لنجد أنفسنا في صلب سيناريو الحمايات التي تؤمنها الطوائف لأركانها ورعاياها. فالمجالس المذهبية التي تتيح تزويج القاصرات، تتيح للمسؤول عن انفجار المرفأ أن يحظى بنفس الحماية، وهي تتصدى لأي دعوة لحصر السلاح بيد الدولة.

لا أقنعة هنا يختبئ خلفها أصحاب العمامات والقلنصوات، وهؤلاء وعلى رغم الاحتقان الطائفي الشديد، يعودون ويلتقون في مهام كثيرة لا تقتصر على حماية مواقعهم، فالحد من الفساد يهددهم، وكذلك العدالة لضحايا انفجار المرفأ، ناهيك عن الكشف عمن نهب خزينة الدولة وسرقة مدخرات اللبنانيين في المصارف يهددهم أيضا، مثلما يهددهم قانون مدني للأحوال الشخصية. فبموازاة فضائح المذاهب اللبنانية الثلاثة، أطلقت جمعية “كفى” حملة جديدة استأنفت فيها دعوتها لقانون مدني إلزامي للأحوال الشخصية، في وقت تتولى قيادة هذه المذاهب التصدي لهذا المشروع، وتنجح في عدم إقراره، وهي إذ تفعل ذلك إنما تقوم بحماية الوظيفة التي أناطها بها النظام الطائفي.

الفضائح الثلاثة هي جزء من هذه الوظيفة، فما كان بالوسع حماية رجل دين مغتصب في ظل دولة مدنية، وما كان للمجلس الشيعي إنشاء جامعة في ظل هذه الدولة، ورئيس الحكومة لن يكون حكرا على الطائفة السنية، لكي تهب دار الفتوى لنجدته.

الفساد يبدأ من هناك، وينتهي هناك. من تلك التجربة البائسة مع الدولة ومع أركانها المذهبية، ولا قيامة جديدة ممكنة للبنان من دون هز هذا الهيكل. فتغول الطبقة السياسية على كل شيء وإمعانها في الفساد وفي السلاح وفي الانتهاك، يجري في ظل حمايات يومنها لها النظام الطائفي الذي تحميه الكنيسة ودور الفتوى، ثم يعود هو ويمنحها سلطة قضائية ورخصة جامعية. وآلية الاشتغال هذه هي الدوامة التي أفضت إلى الانهيار اللبناني الذي نشهده اليوم.