الحريري بين خيارين حاسمين و”نصيحة” بالتريث في العودة

أحمد عياش – النهار

واجهة الاحداث التي احتلها الرئيس #سعد الحريري في الأسابيع الأخيرة، إختلطت فيها العناوين وتناقضت. فمنها ما ذهب الى أقصى مدى في الحديث عن اعتزامه العزوف عن خوض #الانتخابات النيابية المقبلة، فيما تحدثت عناوين أخرى عن ان خيار الانتخابات هو الآن على طاولة زعيم “تيار المستقبل”.




في غضون ذلك، أطلَّ عنوان آخر، جديد من نوعه، وينطوي على دلالات يعلمها من يواكب عن كثب ما يخطط له رئيس الحكومة السابق في المدى المنظور. وبحسب معلومات لـ”النهار”، قام مستشار للحريري مقيم في عاصمة دولة كبرى، ومكلف تنسيق الاتصالات بين مراجع هذه الدولة والحريري، بإبلاغ الأخير “نصيحة” تتصف بالرصانة مفادها ان مسؤولا كبيرا في تلك الدولة، تمنى فيها على الحريري إرجاء عودته الى بيروت في الوقت الراهن لـ”دواعٍ أمنية”.

ضمن هذه الحدود، وصلت المعلومات المشار اليها أعلاه الى بيروت قبل أيام. لكن قبل متابعة الحديث عن “النصيحة” الأمنية، لا بد من مواكبة سلسلة تحركات ومواقف، تنطوي على مؤشرات الى ما يدور وراء الكواليس. ومن ذلك، ما يعطي هذه “النصيحة” قوة، هو ان النائب السابق الدكتور احمد فتفت، كان قد تحدث قبل نحو أسبوعين في احد اللقاءات السياسية عن احتمال عودة الرئيس الحريري من دولة الامارات العربية المتحدة بعد العشرين من الشهر الجاري. وزاد فتفت قائلا ان شعبية الحريري ارتفعت في الآونة الأخيرة في البيئة التي يمثلها طائفيا ووطنيا، بسبب انهيار التسوية السياسية التي عقدها مع الرئيس ميشال عون وتياره بزعامة النائب جبران باسيل. كما عادت هذه الشعبية الى الارتفاع نتيجة سلسلة مواقف إتخذها الحريري من التطورات الداخلية عموما ومن “حزب الله” خصوصا.

وخلال اللقاء الإعلامي الذي عقده الرئيس فؤاد السنيورة أخيرا، وشاركت فيه “النهار”، قال السنيورة ان ما يشاع عن خيار العزوف عند الحريري عن الذهاب الى الانتخابات المقبلة، ليس في محله. ورأى ان شعار المعارضة لهيمنة “حزب الله” على الدولة ستكون ترجمته في التحالفات الانتخابية المقبلة.

وفي أبوظبي، عاصمة دولة الامارات، إجتمع الحريري قبل نحو أسبوع برئيس كتلة “اللقاء الديموقراطي” النائب تيمور جنبلاط وعضو اللقاء النائب وائل أبو فاعور. والى جانب ما أذيع بعد الاجتماع من انه كان “إيجابيا جدا وتضمّن إستعراضا للوضع اللبناني سياسيا واقتصاديا”، علمت “النهار” ان البحث في الاجتماع توغّل في الاستحقاق الانتخابي والتحالف الممكن إبرامه، لاسيما في منطقة الجبل. ومن التفاصيل التي تسنّى الاطلاع عليها، ما تم الاتفاق عليه من تفاهم على اللائحة في منطقة الإقليم، لجهة دعم انتخاب كل من النائبين محمد الحجار(“المستقبل”) وبلال عبدالله (الاشتراكي)، علما ان الاشتراكي كانت له توجهات أخرى قبل لقاء ابوظبي، لكنه أعاد النظر فيها في ضوء ما جرى من مشاورات في الاجتماع.

في سياق متصل، صرّحت النائبة رلى الطبش عضو كتلة “المستقبل” بأن عودة الرئيس الحريري “باتت قريبة وهو سيحدد في الوقت المناسب مسارات المرحلة المقبلة”. وقالت: “كل ما يتعلق بالانتخابات متعلق بقرار الرئيس سعد الحريري وحده، وهو يدرس كل الاحتمالات ويتابع الاحداث اليومية، وفي الوقت المناسب سيعطي رأيه وسيعلن عن مسارات المرحلة المقبلة. صحيح انه خارج البلد حاليا، لكنه متواجد معنا بشكل دائم وبتواصل مستمر سواء مع البيت الداخلي او مع جميع الأفرقاء الآخرين، وعودته الى لبنان باتت قريبة. وكل ما يحكى أو نقرأه في الصحف عبارة عن تحليلات…”. كما صرّحت الطبش بعد زيارتها مفتي الجمهورية الشيخ عبداللطيف دريان في دار الفتوى، بأن “اي محاولة لتطيير الانتخابات النيابية ستدفعنا كتيار مستقبل الى الاستقالة”.

ولمناسبة عيد الاستقلال، غرّد الرئيس الحريري عبر حسابه على “تويتر” كاتباً: “بأي كلام نتوجه الى اللبنانيين بعيد الاستقلال؟ لو قُيّض للكلام الذي يتردد منذ سبعة عقود ان يتحقق لكان لبنان اليوم جنة الله على الارض وليس دولة تقف على حدود جهنم. كاد لبنان في بعض المراحل ان يكون جنة الشرق ومنتدى العرب للحضارة والحوار والثقافة والديموقراطية، لكن حروب الآخرين على أرضه وصراع الطوائف المفتوح على تبادل الكراهيات وسياسات الاستقواء بالخارج قذفت به الى جهنم وسلمت اقداره واستقلاله ونظامه الديموقراطي لعقول متوحشة متخصصة بانتاج الدول الفاشلة”.

وختم: “على رغم هذا الواقع المرير، لا مجال سوى ان نردد في هذا اليوم، حمى الله لبنان وشعبه وجيشه واستقلاله من كل شر”.

الخلاصة التي تفرض نفسها، بما يضيء بعض جوانب “النصيحة” التي تلقّاها الحريري من مستشاره في الدولة الكبرى لإرجاء عودته الى بيروت، هي ان الحريري يعطي بنفسه وبتحركاته وبمواقف من هو قريب منهم، الإشارات الى انه ما زال على مسرح الاحداث الداخلية. ولعل الوقت آت، وربما قريبا، ليحسم الجدل حول مصير انخراطه في السباق الانتخابي. ولعل الجانب الأمني في ما تلقاه من الدولة الكبرى يؤشر الى ان المرحلة التي تفصلنا عن الانتخابات في الربيع المقبل، لن تكون طريقا مفروشا بالورود.