راجح الخوري - النهار

الاستقلال رئاسياً مأتمي؟ – راجح خوري – النهار

كان يكفينا أن تحتفل “غوغل” بعيد #الاستقلال اللبناني، فترفع صورة العلم اللبناني عنواناً مهيباً يتوّج صفحتها ليوم أمس، ففي هذا ربّما ما يذكّر دول العالم بنا ويخفّف من غضب ومرارات اللبنانيين المقتولين هنا والمشرّدين في أصقاع الدنيا، من حقيقة واقع بلدهم الذي يتقلب الآن في أعماق الجحيم، والدليل أن العالم كله حسب الرؤساء الثلاثة وهم يجلسون في العرض العسكري أمس مقطبي الوجوه، أنهم في مأتم لا ينقصهم سوى تقبّل العزاء بالوطن المسكين المدمّر حطاماً، كالمرفأ الذي اختنق خجلاً وهو يرى الدولة وأهلها في مكان غلبت عليه ملامح زعل مأتمي، بينما حاول العرض المدني في المقابل أن يعلن عمق هوّة الطلاق بين المسؤولين وهذا الشعب، الذي لا أدري على ماذا يراهن بعد!

كان العيد الـ78 للاستقلال، وكان مهيناً للعيد والوطن والشعب أن تنقل الأخبار بما يشبه المفاجأة السعيدة، أن الرؤساء الثلاثة ميشال عون ونبيه برّي ونجيب ميقاتي استقلّوا سيّارة واحدة الى القصر الجمهوري، فيا لها من معجزة، انتهت بعد قليل بقول برّي عندما خرج وسئل: هل تحلحلت؟ “إن شاء خير” ولسنا ندري من أين سيهبط الخير، عندما يكون عيد الاستقلال أشبه بعرض رئاسي للبؤس طغى على العرض العسكري، بينما كان العلم اللبناني يحلق مع الطوافات ويذرف الدموع على ما أوصلوا إليه لبنان من الشمال إلى الجنوب.




أخبرنا ميقاتي أن الاستقلال ذكرى مهمّة في حدّ ذاتها، ولكأنّه بقي شيء من معالم هذا الاستقلال في هذا البلد المدمّر سياسياً وأمنياً وسيادياً وسلطوياً ودستورياً ومصرفياً ومالياً وحياتياً وشعبياً وصحّياً وتربوياً وأخلاقياً، ولم ينس أن يقول لنا إننا لا نستطيع المحافظة على الاستقلال إن لم نكن يداً واحدة والتفاهم هو الأساس، فيما نحن عملياً وقياساً بالواقع السائد، مجموعة من الأيدي ومجموعة من الأصابع أيضاً، ومجرّد عرائس يحرّكها الخارج، ولا داعي للإفاضة هنا. يكفي أن نتذكر فصول الأزمة التي تعطل الدولة والحكومة والقضاء، وتحاول أن تقذفنا الى خارج الدستور الذي يقول إننا دولة عربية!

وعندما يقول ميقاتي إننا لا نستطيع أن نحافظ على الاستقلال إن لم نكن يداً واحدة، فإنه يصيب اللبنانيين بالذهول، فعلى أيّ استقلال يريدنا أن نحافظ؟ وهل يصدّق أننا فعلاً كنّا يوماً مستقلين أو كنّا يداً واحدة، وقد مررنا بكلّ هذه الصراعات المجنونة وبكلّ “حروب الآخرين على أرضنا” كما قال أستاذنا غسّان تويني يوماً، الذي صرخ من الأمم المتحدة “دعوا شعبي يعيش”، ولكن كيف يعيش شعب يرتهن لمصالح الآخرين وحساباتهم؟

في عام 1970 عندما رفض الرئيس فؤاد شهاب أن يترشّح من جديد لرئاسة الجمهورية، أصدر بياناً تاريخياً شرح فيه تجربته في السلطة التي انتهت باقتناعه بأن الشعب اللبناني ليس جاهزاً ليتخلى عن العقلية الإقطاعية والاقتناع بأهمّية بناء الدولة الحديثة، بعدما كان دخل في عهده في صراع مع الإقطاعية السياسية التقليدية ومع العصبيات الطائفية، التي استنفر أسيادها ضدّه لشعورهم بأن سيطرتهم على السلطة أصبحت في خطر، فماذا تغيّر بعد نصف قرن؟
لم يتغيّر شيء على الإطلاق، بل استفحلت الإقطاعيات السياسية والطائفية والمذهبية، الى درجة تضع دائماً المنظومة السياسية في الطابق العلوي، أما الشعوب اللبنانية المنقسمة للأسف فعلى الأرض يا حكم، فهل كثير أن تكون مشهدية الاستقلال أمس كقبول للعزاء رسمياً وكقرع للطبول أمام ركام مرفأ ينافس ركام لبنان؟

وفي المناسبة، هل بقي واحد من “غربان” المنظومة الفاسدة والمفسدة لم يغرّد في المناسبة المؤلمة أمس؟