قاسم يوسف - أساس ميديا

لن نستبدل الاحتلال الإيرانيّ بوصاية سوريّة – قاسم يوسف – أساس ميديا

ليست الحكاية في التسويق الممنهج، ولو الخجول، لعودة النظام السوري إلى لعب دور وازن ومؤثّر في لبنان، ولا في إمكانية استعادة النفوذ من عدمه. الحكاية أكبر وأعمق وأجزل. وهي أنّ الغالبيّة الغالبة في الداخل كما في الخارج باتت على قناعة لا يرقى إليها شكٌّ، مفادها أنّ هذه البلاد لا يُمكن أن تُدار أو تُحكم إلا بضابط إيقاع يلعب دور الوصيّ على كلّ صغيرة أو كبيرة، وأنّ السيادة والاستقلال ما هما إلا أضغاث أحلام، بل وضرب من الخيال والجنون.

ما كان همساً صار دندنة. وعلى سجيّة مَن يستجير من الرمضاء بالنار، يتحدّث البعض عن عودة النظام السوري إلى لعب دور متقدّم في الساحة اللبنانية، وذلك استناداً إلى التجربة نفسها التي طالما أثبتت فشلها الذريع على مدى عقدين كاملين، والتي تتلخّص في محاولات حثيثة لتذويق البشاعة، تحت عنوان إخراج سوريا من الحضن الإيراني.




وثمّة في هذا الإطار تجارب كثيرة ومريرة بدأت منذ العام 2000، ثمّ من العام 2005 حتى العام 2010، ثمّ عقب انطلاق الثورة السورية عام 2011، لكنّها باءت جميعها بالفشل، وقد اختصرها رئيس الاستخبارات السعودية الأسبق الأمير بندر بن سلطان بما قاله الملك عبد الله بن عبد العزيز لبشّار الأسد في آخر لقاء بينهما عام 2010، بحضور الأميرين الراحلين سلطان ونايف، وبحضور الملك سلمان، الذي كان أميراً في ذلك الوقت. قال له الملك عبدالله بالحرف: “بشّار. أنا أعرف عمّك قبل والدك، ثمّ عرفتُ والدكَ، ولا تستطيع أن تقولَ عنه أيّ شيء غير أنّه صادق، لم يكذب أبداً. أمّا أنت، فكاذب ثمّ كاذب ثمّ كاذب”.

كان ذلك قبل أن تذوب سوريا تماماً، وقبل أن يضمحلّ دورها ويتقلّص نفوذها وتتحوّل من لاعب إقليمي فاعل ومؤثّر إلى ساحة أو أداة فحسب، فكيف هي الحال اليوم وقد ساوت مدنها واقتصادها وحضورها الأرض، واستحالت مناطق منفصلة تتنازعها الدول والميليشيات وقوى الأمر الواقع؟

أيّ حضن عربيّ هو ذاك الذي سيخلد إليه نظام مجرم وسفّاح؟ وكيف لِمَن كان مرتمياً في أحضان إيران وهو يمتلك ناصية قراره، أن يخرج منه بعدما بات مرتهناً وعاجزاً وضعيفاً، بل وغير قادر على حماية قصر المهاجرين نفسه بلا غطاء روسي وإيراني؟

لن يساهم أيّ انفتاح عربي أو غربي إلا في فكّ عزلة بشار الأسد، وتشريع نظامه بعد واحدة من أكبر المذابح التي عرفها التاريخ، وهو لن يقدّم، بل لا يستطيع أن يقدّم أيّ شيء، سوى الوعود الكاذبة التي طالما برع في تسويقها لشراء الوقت وأخذ المكتسبات، وهذا ما يعرفه الجميع بدون استثناء. أمّا الإشارة إلى التمايز الإيراني الروسي للولوج عبرها إلى الأسباب الموجبة التي تبرّر الاندفاع نحو هذا الخيار، فهي لا تعدو كونها محاولة لذرّ الرماد في العيون، ولإعادة التجربة نفسها للمرّة الألف، مع انتظار نتائج مختلفة.

أمّا في ما يتعلّق بلبنان، ولإنعاش ذاكرة مَن لا يتذكّر، فثمّة عذاباتٌ لبنانية ضاربة حتى الجذور، لأنّ اللبنانيين هم خير مَن عرف هذا النظام وخبره وحفظه عن ظهر قلب، وهو إذ يتوق نحو حرّيّته وسيادته واستقلاله، بعدما دفع في سبيل ذلك كلّ غالٍ ونفيس، فإنّه يسأل العرب والعالم أن يساندوه ويساعدوه في رفع الاحتلال الإيراني القابض على أنفاسه، كمدخل أساسيّ وإلزاميّ نحو بناء دولة محترمة، بدل الذهاب نحو استبدال احتلال خشن بوصاية لا تقلّ عنه خشونة.

وبقدر ما نطالب العالم بعدم التسليم أنّ اللبنانيين غير قادرين على حكم بلادهم، بقدر ما نحن مطالبون برصّ صفوفنا والترفّع عن المماحكات والصغائر، وصولاً إلى إعادة إنتاج جبهة سياسية وطنيّة عريضة، لمواجهة الاحتلال الإيراني وكلّ عروض الوصايات المطروحة، وهذا هو السبيل الوحيد لخلاصنا وخلاص لبنان.