عون يفتح معركة الرئاسة بـ”مقايضة” الفراغ والتعطيل… استمرار العونية بضمان وصول باسيل إلى “القصر”!

ابراهيم حيدر – النهار

حتى لو استأنف مجلس الوزارء جلساته، وهو أمر غير محسوم حتى الآن في ظل الاستعصاء السياسي والخلافات والشروط التي يضعها “#حزب الله” لإقالة المحقق العدلي في انفجار المرفأ #طارق البيطار، لن يكون في إمكانه السير في تنفيذ خطته “الإنقاذية”، لا في برنامج التفاوض مع #صندوق النقد الدولي، ولا في اصلاح النظام المالي والمصرفي، وايضاً في ملف التحقيقات في انفجار المرفأ وترسيم الحدود. لن تكون الحكومة قادرة خلال أشهر قليلة تفصلنا عن الانتخابات النيابية، ومعركة الانتخابات الرئاسية، على تحقيق أي انجاز، طالما يستمر الخلاف حول الملفات الأساسية وتأخذ المعارك أبعاداً طائفية ومذهبية واصطفافات خطيرة في ظل الانقسام الاهلي والطائفي وتمترس القوى وخطوط التماس. التفكك طال كل مؤسسات الدولة، وبات الحكم في أيدي الأطراف الأهلية، والمقرر فيها “حزب الله”، إلى حد بات الخارج يتعامل مع لبنان من خلال فرقائه المقررين في السلطة وعلى الأرض، وليس من خلال الدولة المفككة وحكومتها المعطلة، وهذا الخارج يعرف أن رئيس الحكومة نجيب ميقاتي لا يمون حتى على وزرائه الذين في غالبيتهم يأتمرون بمرجعيتهم السياسية والطائفية.




المشكلة اليوم أن لا مرجعية للحكم في لبنان، حيث يستعيض رئيس الحكومة باجتماعات مع الوزراء لتسيير الامور، وكأن الحكومة هي في حالة تصريف أعمال. هنا أيضاً يظهر الخلاف الداخلي بين الاطراف حول المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، والتخبط على اشده في ملف ترسيم الحدود، فيما الحل السياسي يبتعد وكذلك الامر بالنسبة إلى القضاء حيث الضغوط على اشدها لإقالة البيطار أو إعادة هيكلة مجلس القضاء الأعلى والإطاحة بالرافضين لتحوير تحقيقات المرفأ عبر تشكيلات قضائية جديدة لمصلحة “حزب الله” والتيار العوني.

المسالة الأخطر أن حالة الانهيار التي يعيشها لبنان وتعطيل الحكومة، يفتح على تكريس الفراغ. إذ بدأ منسوب المخاوف يرتفع من احتمالات الاطاحة بالانتخابات النيابية، وأيضاً بالرئاسية، فرئيس الجمهورية #ميشال عون الذي قال أخيراً إنه لن يترك موقع الرئاسة للفراغ، فتح المعركة باكراً ووجه رسائل في اتجاهات عدة، والهدف تكريس معادلات تتجاوز مسألة الحكومة، والاشتراطات لعودتها، أي البحث منذ الآن عن تسوية رئاسية قبل انتهاء ولايته، أو لا يغادر قصر بعبدا. قلَب ميشال عون كل الاولويات، ففي ظل التخبط في الموضوع الحكومي والمقايضات المطروحة، فتح المعركة الأصل التي لم يعلنها خلال السنوات الخمس الماضية من العهد، ويعني ذلك بالنسبة إلى الأوساط السياسية أن عون يريد ضمان وصول رئيس التيار الوطني الحر، صهره #جبران باسيل الى موقع الرئاسة عبر تسوية قائمة على المقايضة، أي أن لا انتخابات في أذار المقبل، وربما ايضاً في أيار ما لم يتم الاتفاق مسبقاً على الاسم الذي يعتبره وريثاً للعونية ويتمتع بشعبيتها وبالتمثيل المناسب، وإلا يحدث الفراغ والتعطيل، ويستمر عون في ممارسة مهماته في القصر.

في المرحلة الأخطر التي يعيشها البلد، يذكر الوضع الحالي للرئاسة بتجربة ميشال عون عام 1989. الكلام هنا لا يعني أن عون قادر على استنساخ التجربة، فالظروف مختلفة، ومراكز القوى أيضاً، انما هناك قدرة على فعل شيء ما يتعلق بالرئاسة، فكما دخل البلد في الفراغ، وحُجز لمدة سنتين بين عامي 2014 و2016 إلى أن حُسم اسم ميشال عون مرشحاً وحيداً للرئاسة، يمكن له اليوم من موقعه أن يبقى في قصر بعبدا إذا لم تعد الحكومة ولم تُحسم الانتخابات النيابية، وهو أمر حذر منه رئيس مجلس النواب نبيه بري أخيراً، حين أكد أن موعد الانتخابات في أذار المقبل ثابت ولن يتغير.

يرفع عون سقف شروطه في وجه الجميع، فإما أن تُلبى أو أن الامور ذاهبة إلى أزمات جديدة وانهيارات وفراغ لا يسده إلا البقاء في القصر، علماً أن عون يعرف أن المجتمع الدولي يشدد على إجراء الانتخابات النيابية والرئاسية أيضاً، وأن عدم إجراء الاستحقاقين يؤدي الى عقوبات قاسية قد تضع البلد أمام مصير مجهول.

كل الأنظار تتجه اليوم الى ما بعد الحكومة، فيما “حزب الله” يأخذ الأمور من ضمن حساباته الإقليمية وموقعه في الاجندة الإيرانية، لكنه وُضع أمام معادلة جديدة يبدو أنها تنطلق قريباً وتتخطى المسألة الحكومية، على الرغم من الأزمة الخطيرة المستمرة مع السعودية ودول الخليج. وبينما يبدو التئام الحكومة مستبعداً حتى الآن، على الرغم من الضغوط على القضاء، وعدم إيجاد مخرج أيضا لاستقالة وزير الاعلام #جورج قرداحي، فإن الازمة الكبرى أو كما يسميها البعض المعركة، معلقة بالاستحقاق الرئاسي وموقع ميشال عون فيها وإصراره على تأمين مستقبل العونية مع جبران باسيل وهي أيضاً تحدد مصير البلد ومستقبله.

يأخذ عون بالاعتبار المعركة الانتخابية النيابية، وهو يعرف أنها تتركز اليوم في البيئة المسيحية خصوصاً، وأيضاً في البيئة السنية، فيما يبدو أن “حزب الله” يطبق على البيئة الشيعية ويحافظ على موقعه مع حركة أمل. فبطرحه لعدم ترك البلد للفراغ يعني أنه بدأ باستخدام كل أوراقه من أجل تسوية تقضي باستمرار العونية مع جبران باسيل، إذ أن وضع التيار الوطني الحر سيكون بعد الانتخابات النيابية وانتهاء ولاية عون في أسوأ مراحله، خصوصاً أن المعركة مع “القوات اللبنانية” تصب لصالح الاخيرة وفق الاستطلاعات والمعطيات على الأرض. علماً أن المعركة أيضاً متركزة في البيئة السنية، في ظل الشرذمة التي تعانيها خصوصاً إذا قرر الحريري عدم خوض الانتخابات، فيما ميقاتي لم يستطع حتى اليوم الاستقطاب في هذه البيئة، ولا شخصيات أخرى تمكنت من أن تشكل مرجعية، وهو أمر يستحيل أن يتحقق من دون دعم خليجي.

الحل في لبنان لا يزال مقفلاً بالكامل والوضع اليوم غيرمفتوح على التسويات. “حزب الله” لديه القدرة على الإمساك بالوضع اللبناني وتعطيله أيضاً واستتباعه لمحور الممانعة، وتحديده الوجهة التي تسير عليها السياسات والدولة عموماً، ومن ذلك تتناسل الأزمات المعيشية والحياتية في أطوار الانهيار المتتالية وصولاً إلى التفكك. الانفجار ينتظر على المفترق، وبات يصعب حتى الآن بلورة توافق داخلي لبناني على مخرج للأزمة مع السعودية وللحكومة وحتى للأزمات المتناسلة في العمق اللبناني. وعليه يمكن لعون أن يرفع سلاح البقاء في قصر بعبدا وعدم ترك البلد للفراغ؟