لماذا تبدو إسرائيل سعيدة بالتقارب العربي مع الأسد؟.. السر في صفقة بوتين ونتنياهو التي أبقته بالسلطة

 العلاقة بين إسرائيل والأسد علاقة غريبة، فهي رسمياً علاقة عداء كلامي شديد مع بعض الغارات الجوية المحدودة، ولكن واقعياً لم تحاول إسرائيل قط إسقاط النظام في ذروة ضعفه، بل هي اليوم مرتاحة للتطبيع العربي في إسرائيل وجهوده إعادة النظام للجامعة العربية.

وفي الأسابيع الأخيرة اجتمع ممثلون كبار من مصر والأردن والإمارات مع نظرائهم السوريين، بل وزاروا دمشق.




وبدأ النظام السوري بعد سنواتٍ طويلة من العزلة خلال الحرب الأهلية السورية، يُنتَشَل ببطءٍ من حالة الجمود.

ومن المثير للاهتمام أن الدول التي تتولَّى زمام المبادرة، نيابةً عن بقية جامعة الدول العربية، هي تلك التي تتمتَّع إسرائيل معها بعلاقاتٍ أمنية، بل ودبلوماسية، قوية على نحوٍ متزايد، حسبما ورد في تقرير لصحيفة Haaretz الإسرائيلية.

لم يلق التقارب العربي أيَّ ردٍّ من إسرائيل، على الأقل ليس علناً، ويتعامل كبار المسؤولين الإسرائيليين مع هذا الأمر في السر بعدم اكتراث.

ولكنهم أعربوا عن أملهم بشكلٍ غير رسمي في أن يكون هذا على الأقل بمثابة نقطة مواجهة للنفوذ الإيراني في سوريا. هذا الموقف الإسرائيلي لا ينبغي أن يكون مفاجئاً.

طبيعة العلاقة الغامضة بين إسرائيل والأسد ظهرت خلال الحرب الأهلية

لم تتدخَّل إسرائيل بشكلٍ حاسمٍ في أيِّ وقتٍ خلال السنوات العشر من الحرب الأهلية السورية. وفي الواقع، في وقتٍ مبكِّرٍ من الحرب، نَصَحَ رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، بنيامين نتنياهو، في اجتماعاته مع القادة الغربيين، بعدم تزويد المعارضين بأسلحةٍ متطوِّرة، لا سيما الصواريخ المضادة للطائرات، التي كان يخشى وقوعها في الأيدي الخطأ واستخدامها ضد الطائرات الإسرائيلية.

قدَّمَت إسرائيل كمياتٍ صغيرة من الأسلحة الخفيفة -إلى جانب المساعدات الطبية والإمدادات الغذائية- لبعض الجماعات المعارضة في الجولان. لكن هذا بشكلٍ أساسي كان لضمان أن المنطقة القريبة من الحدود الإسرائيلية لا تصبح جيباً لتنظيم داعش، وفقاً لتقرير Haaretz.

لماذا لم تحاول إسقاطه في ذروة قوة المعارضة؟

في السنوات الأولى من العقد الماضي، عندما بدا أن مستقبل الأسد كان محفوفاً بالمخاطر في مراحل مختلفة من الحرب الأهلية السورية، كانت هناك بعض الأصوات الجادة داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية التي جادلت بأن إسرائيل يجب أن تقتنص الفرصة لتسريع إزاحة الأسد. وكانت هناك حجةٌ استراتيجية وأخلاقية مفادها أنه لا ينبغي لإسرائيل أن تقف جانباً بينما هناك ديكتاتورٌ متعطِّشٌ للدماء، على الجهة المقابلة من الحدود مباشرةً، يذبح مئات الآلاف من المدنيين، حسب الصحيفة الإسرائيلية.

وبينما لم يطالب أحدٌ بضربةٍ مباشرة لقلب النظام، كانت هناك مساراتٌ أخرى يجري الدفاع عنها. كان أحد هذه المسارات هو إنشاء “ممر إنساني” واسع، أو “منطقة حظر طيران” على حدود إسرائيل في الجولان، حيث يُحمَى المدنيون من قوات الأسد وداعش، بواسطة القوة الجوية الإسرائيلية.

اقتراحٌ آخر عبَّر عنه علناً اللواء عاموس يادلين هو أن تشن إسرائيل غاراتٍ جوية لتدمير الطائرات والمروحيات الهجومية للقوات الجوية السورية التي كانت تُستخدَم لقصف المناطق المدنية.

نتنياهو تجنَّب مهاجمة قوات الأسد واكتفى بضرب وجود إيران وحزب الله

أزاح نتنياهو هذين الاقتراحين جانباً، فيما كان يصرُّ على أن إسرائيل لن تنغمس في المأساة السورية، على أن ينصب التركيز على الأهداف المرتبطة بإيران فقط، وألَّا تُضرَب قواعد النظام السوري إلا إذا كانت تستضيف عناصر فيلق القدس الإيراني أو تُستخدَم لتخزين الأسلحة الخاصة بحزب الله.

وأصبح الجدل الدائر في إسرائيل حول ما يتعيَّن فعله إزاء الأسد غير واقعي في 30 سبتمبر/أيلول 2015، عندما نفَّذَ سلاح الجو الروسي أول غارة جوية ضد المعارضين السوريين كجزءٍ من حملته الناجحة لإنقاذ نظام الأسد.

إسرائيل والأسد
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع الرئيس السوري بشار الأسد/رويترز

منذ اللحظة التي هبطت فيها أول طائرة مقاتلة روسية من طراز سوخوي في قاعدة حميميم الجوية، بالقرب من اللاذقية، كان الأسد يحظى بمظلةٍ من قوة عظمى.

ومنذ أن أوضحت إدارة الرئيس الأمريكي آنذاك، باراك أوباما، بالفعل قبل عامين أنه بغض النظر عن عدد المدنيين السوريين الذين قتلهم الأسد بالأسلحة الكيماوية، فإن الولايات المتحدة لن تتدخَّل، لم يكن أمام إسرائيل خيارٌ سوى إجراء ترتيباتٍ مع روسيا. وفي غضون أيام، كان نتنياهو على متن طائرةٍ للقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

ثم أبرم صفقة سرية مع بوتين الذي كان يريد تحجيم نفوذ طهران

كان الاتفاق الروسي الذي توصل إليه بوتين ونتنياهو واضحاً وبموجبه تعهدت إسرائيل للروس بأنه لن يُمَس عميلهم السوري ما دامت إسرائيل مستمرة في مهاجمة الأهداف الإيرانية. كان بوتين ولا يزال راضياً عن هذا الترتيب، حسب الصحيفة الإسرائيلية.

ربما دَعَمَ الإيرانيون الأسد بعشرات الآلاف من رجال الميليشيات الشيعية الفقراء من العراق وأفغانستان، الذين نقلتهم إيران للقتال والموت في سوريا، لكن بوتين لم يرد أن يسيطر الإيرانيون على سوريا، وبالتالي كان سعيداً تماماً بأن تكبح إسرائيل تطلُّعاتهم.

لماذا خشيت إسرائيل من سقوط الأسد؟

لكن المحصلة النهائية هي أن إسرائيل أذعنت في وقتٍ مبكِّرٍ لبقاء الأسد في السلطة. وفي الواقع، فإن وجود ديكتاتور ضعيف وفاقد للمصداقية في دمشق هو الخيار المُفضَّل بالنسبة لإسرائيل.

إذ كانت إسرائيل تخشى أنه إذا نجحت المعارضة في إزاحة الأسد فقد ينشئون نظاماً جديداً أقل تطرُّفاً، وكانت إسرائيل ستتعرَّض في هذه الحالة لضغوطٍ متجدِّدة للانسحاب من الجولان. أما الأسد فلا أحد يدعمه في الخارج الآن، ولن يدعم أحدٌ مطالبته بالأرض الآن.

علاوة على ذلك، فإن وجود الأسد في السلطة أفضل من البديل الآخر الأكثر ترجيحاً، والذي كان سيصبح فوضوياً ويجعل سوريا كقاعدةٍ لداعش، وهذه هي الحسابات نفسها التي يجريها الحلفاء العرب لإسرائيل.

هناك سابقةٌ حديثة لهذا، كان نظام الرئيس السوداني عمر البشير مُلطَّخاً بالدماء مثل نظام الأسد، لكنه استُقبِلَ مرةً أخرى في الحظيرة العربية السنيَّة بمجرد موافقته على قطع العلاقات مع إيران، التي سبق أن استخدمت أراضيه لتهريب الأسلحة. والمساعدات المالية السعودية والدعم الإسرائيلي والأمريكي الهادئ هما ما ضمنا هذا الانتقال بعيداً عن إيران، وفيما بعد عُزِلَ البشير وحوكِم.

كان يتعيَّن أن يكون الأسد في لاهاي جالساً في قفص الاتهام في المحكمة الجنائية الدولية ويواجه عدة تهم بالإبادة الجماعية، لكن بفضل بوتين والقيادة الإيرانية لن يحدث ذلك. زعماء الأردن والإمارات يعرفون ذلك، وهم أكثر اهتماماً الآن بتحقيق الاستقرار ومحاولة تقليص نفوذ إيران، ولم يعد يعنيهم مصير الأسد.

لا يتعلَّق الأمر بإعادة تأهيل الأسد، لن يحدث هذا أبداً، يتعلَّق الأمر بحماية المصالح البراغماتية للأنظمة العربية السنيَّة، وفي هذه الحالة فإن هذه المصالح تتطابق مع مصالح إسرائيل.