نبيل بومنصف - النهار

لن “نحتفي” سلفاً! – نبيل بومنصف – النهار

لعلنا سنخدش كل المناخات المحتدمة بالحماسة المفرطة هذه الأيام، وعشيّة العشرين من تشرين الثاني، حول تسجيل المغتربين ال#لبنانيين في عالم الاغتراب في عدّ عكسي لاهب، لنذهب إلى حيث لا يرغب كثيرون أن يتصوّروا صدمة ما تسقط حتى رهانهم على التغيير الانتخابي الواعد الكبير. لا يمكن إلا الحفاوة الكبيرة بأيّ مشاركة اغترابية واسعة في الانتخابات، سواء لناحية الرهان على إشراك الحجم الأكبر من المغتربين في صناعة التغيير، أو لجهة ترجمة حقيقة واقع لبنان بجناحيه المقيم والمغترب في إعادة صناعة صورة محترمة لهذا الوطن الذي تلازم موجات الهجرة تاريخه القديم والحديث. ومع ذلك ترانا نخشى، وسط الحماسة المفرطة التي تغلب هذه الأيّام، سياسياً وإعلامياً، حيال عملية تسجيل المغتربين، التي قد لا تتجاوز حصيلتها غداً بعد انتهاء المهلة 200 ألف مسجّل أو أكثر بقليل، أن نتساءل عمّا إن كانت هذه النسبة تعكس السقف الحقيقي للإيمان بالديموقراطية اللبنانية، أم مؤشراً لإصابة النسبة الكبرى من المغتربين بما أصاب النسبة الأكبر من المقيمين لجهة التعثر والفشل في ترجمة نبض التحفز للتغيير. نقولها بصراحة، إن كان تسجيل المغتربين يشكّل مؤشراً عميقاً يحمل دلالات عملية حيال اتجاهات تغييرية جذرية لكان وضعاً كارثياً كالذي يجتازه لبنان يفترض أن تتجاوز النسبة بحدودها الدنيا مئات الآلاف قياساً لأسطورة ملايين المنتشرين اللبنانيين، إلا إن كانت فعلاً أسطورة. ولكننا لن نقف عند العدّاد الرقمي فقط الذي سترسو عليه عملية التسجيل، بل نخشى من الآن، على سلبيات التسرّع في رسم السيناريوات المسبقة حيال وضع يتفاعل كيميائياً بما يستحيل معه أيّ استباق دقيق للتطوّرات، أن تصبح ذروة الطموحات لدى الغالبية الساحقة من اللبنانيين في مكان آخر تماماً غير الاستحقاق الانتخابي. نعني بذلك أن الاستعدادات التي بدأت تتصاعد في الداخل كما في المغتربات للانتخابات ستكون، أسوة بمجمل الوضع الداخلي، محفوفة بخطر غير متصوّر يوماً بعد يوم في العد العكسي لموعد الانتخابات، سواء أجريت في آذار أو أيّار. فلا ضمان الآن لدى “الجمهورية اللبنانية” تقدّمه لمواطنها المقيم أو المغترب الحامل هويّتها، بأنّه سيسقط ورقة التغيير الانتخابي الديموقراطي، والواجب والضروري والحتمي، لأن جمهورية تترك مواطنها على قارعة الفقر والمرض والجوع إلى هذه المستويات الخيالية لن تكون أمينة إطلاقاً على انتخابات تذهب بلصوصها ومجرميها إلى جحيم المحاسبة التي يستحقون. منذ أيام واللبنانيون يرتجفون أمام لوائح التسعيرة الجديدة المثيرة لكل الذعر للأدوية ولا سيما منها أدوية الأمراض المزمنة، وكأنّها التتويج الإضافي الجديد لكوارث إنسانية لم يشهد شعب في العالم تسلسلاً سريعاً منذ عامين في الانهيارات التي تشبهها. ومن الآن حتى الموعد الافتراضي للانتخابات الذي دخل بدوره طاحونة الصراعات بين مكوّنات سلطة هي أسوأ ما شهده العالم من سلطات، لن يكون العدّ العكسي، أو لن يبقى بالأحرى، مركّزاً على الاستحقاق الانتخابي بل سيذهب حتماً في اتّجاهات قسرية عاجلة وفورية في يومياتها القاسية لأن الأوضاع الإنسانية للبنانيين كما للمقيمين على أرض لبنان ستغدو من الإلحاح والأولوية بحيث يستحيل الجزم بما ستكون عليه اللحظة الانتخابية وسط تفجّر غير مسبوق لمآسي الناس في شتاء الكارثة المتدحرجة. لهذا فقط، لا ولن “نحتفي” سلفاً!