تركيا تفقد أعظم شعرائها في العصر الحديث – توران قشلاقجي – القدس العربي

فقدت تركيا مفكرها وشاعرها العظيم سيزاي كاراكوتش عن عمر يناهز 88 عاما. كان بقصائده الرائعة يذكرنا كثيراً بالشاعر الإسلامي الشهير في شبه القارة الهندية محمد إقبال والشاعر المصري أحمد شوقي المعروف بـ»أمير الشعراء». كاراكوتش هو أحد الشخصيات العظيمة التي تركت بصماتها على عالم الفن والأدب في فترة الجمهورية التركية بشعرها وفكرها وكتاباتها في الفن والأدب.
شكل كاراكوتش (الذي وافته المنية يوم الثلاثاء) بذاته الفلسفية، حقبة زمنية خاصة برؤيته الحضارية وأصبح مرشدا ورائدا لها. وُلد كاراكوتش في منطقة أرجاني في ديار بكر في 22 يناير 1933، وبعدها تم نشر قصائده في المجلات الأدبية، أثناء دراسته في جامعة أنقرة كلية العلوم السياسية. وفي عام 1967 حوكم على كتابه «بعث الإسلام» ومع تأسيسه حزب الإحياء (البعث) فتح صفحة مختلفة في حياته عام 1990. تمت كتابة العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه والكتب حول كاراكوتش، الذي ترك إرثاً فكرياً وأدبياً كبيراً لتركيا.
تتميز كتاباته والموضوعات والصور التي يجلبها للقصيدة بغناها المتنوع، لدرجة أنها تتطلب العديد من الدراسات. من ناحية أخرى، كانت المدرسة التي أنشأها في الأدب من خلال الصحافة أيضا موضوع دراسات منفصلة. إحدى الصعوبات في دراسة الشاعر سيزاي كراكوتش، هي أنه عالم قدّم الكثير من الإسهامات.
يشير الشاعر في أعماله بشكل كبير إلى الفترات المشرقة في ماضي الحضارة الإسلامية، ويصل إلى تحليلات معمقة وتوليفات حول فكرة الإحياء وبعث الأمة، التي يمكن تسميتها بـ»حركة النهضة»، لحضارتنا «المهزومة» في شعره وتأملاته، ويشكل الماضي مبادئ تصميم حضاري يمكن جعلها قابلةً للعيش، بدلاً من تضييع الوقت على ذكرى الماضي. وفي قراءة أخرى لهذا الشاعر الكبير لا يمكن القول إن سيزاي كاراكوتش، الذي يعرف الحضارة الغربية جيداً، والأسس المادية والروحية لها، لديه موقف كي يدير ظهره لهذه الحضارة ويتجاهلها. على عكس ذلك، بل إنه يقدم حلوله الخاصة على أنها «مخرج» بديل، للحلول الأخرى التي لم تجد نفعاً، مروراً بتراكم يمكنه من إخضاع الحضارة الغربية للنقد، بكل مؤسساتها والإطار الفلسفي الذي يقف وراءها. من وجهة النظر الفلسفية هذه يتضح أن سيزاي كراكوتش، لديه أيديولوجية بعيدة كل البعد عن الانطوائية المنسوبة إلى العديد من الشعراء، التي تنعكس على قضايا المجتمع في توجيه الحلول بطريقتها الخاصة. تستند صعوبة فهم شعر سيزاي كاراكوتش إلى ثراء معرفته. ومن ناحية أخرى يستعرض كاراكوتش إلى يومنا هذا، قصص الأنبياء المذكورة في كتابنا المقدس القرآن الكريم، فهو في كتاباته لا يبقى متفرجا على مغامرات الأنبياء، بل يطور الموقف فيصبح جزءاً من مغامراتهم، وهذا يتضح في رسم الشخصية في كتابته «حضرة علي»، «عمر العدالة والقوة»، وكذا قصائده مثل «بطولة حمزة»، «حروب أبو مسلم الخراساني» تحمل عالم الأساطير في خيال العالم الإسلامي، واليوم يتم التفكير لتحويلها لفيلم.

يشير كاراكوتش إلى الفترات المشرقة في ماضي الحضارة الإسلامية، ويصل إلى تحليلات معمقة وتوليفات حول فكرة الإحياء وبعث الأمة




الشاعر سيزاي كاراكوتش، الذي لديه عشرات الأعمال المحمية بحقوق الطبع والنشر والمترجمة، كان في الوقت نفسه شخص عاش مثال الأمة بكل عظمتها. كتب قصائد ومقالات عن كل جغرافيا الأمة التي تعاني من مشاكل متعددة فقصيدته «لن أقول أبعد من ذلك» التي كتبها عن استقلال تونس في الخمسينيات من القرن الماضي، و قصيدة «فدائي الجزائر» التي كتبها عن استقلال الجزائر، هما قصيدتان أصبحتا أحد أعمدة الأدب التركي، وتعد قصيدته «منى روزا» ، وهي من أطول القصائد التي كتبها للفتاة التي وقع في حبها، ولم يستطع الزواج منها خلال سنوات دراسته الجامعية، من بين القصائد التي لا غنى عنها للشباب في تركيا. هذا الشخص العظيم الذي سيستمر في العيش في قلوب الشعب التركي بشعره وكتبه الشعرية مثل «ليلى ومجنون» و»أربعين ساعة مع الخضر» و»كتاب طه» و»بلكونة» و»ركن» وغيرها.
رحمه الله.. والعزاء للأمة في فقدان أحد أهم مفكريها وشعرائها