أيّ جدية في الكلام عن إمكان خروج الحريري من الميدان السياسي؟

ابراهيم بيرم – النهار

منذ فترة ومريدو زعيم “#تيار المستقبل” الرئيس #سعد الحريري وخصومه أيضاً يلحّون في اثارة الاسئلة عن عودته من الخارج ليستأنف مسيرة سياسية حافلة كان قد بدأها بُعيد اغتيال والده الرئيس رفيق الحريري في شباط عام 2005. ومن البديهي ان ما يزيد من مشروعية طرح هذه الأسئلة ما سرى ويسري اخيرا عن احتمالات اعتزاله العمل السياسي وامكان ترك دفة الامور في قيادة “التيار الازرق” وفي الساحة السنية على حد سواء.




ولاريب ايضا في ان ما زاد منسوب الغموض والالتباس وما ضاعف طرح هذه الاسئلة وفتح باب التكهنات في شأنها ان الذين يقدّمون عادة انفسهم على اساس ان من حقهم النطق بلسان الرئيس الحريري والتحدث باسم تياره، قدّموا في الاسبوع الماضي اجوبة يكتنفها الغموض ويحيط بها الابهام في ما يتصل بعودة الحريري. فقد خلت اطلالتان اعلاميتان لنائب رئيس “تيار المستقبل” النائب السابق مصطفى علوش وللنائب السابق احمد فتفت من ايراد اي معطيات او مؤشرات من شأنها جلاء غموض الصورة واعطاء اجابات يقينية وحاسمة. فكلاهما وازن احتمال عودة الحريري للمضي قدماً في رحلته السياسية ترشحاً وترشيحاً لجولة الانتخابات النيابية المقبلة باحتمال عزوفه وانكفائه ومن ثم انسحابه نهائيا من الميدان السياسي. وفي معرض تفسيره لهذا “الضياع وعدم الحسم” يقول أحد نواب السنّة في الشمال “ان القياديَّين الازرقَين معذوران في تخبطهما لأنه مطلوب منهما الاجابة العاجلة في شأن قضية تشغل الرأي العام، ولكنهما لا يملكان الخبر اليقين وكلمة السر الجوهرية، لذا فهما يجتهدان من عندياتهما في هذا الامر، ما يعني انهما والشريحة الاوسع من قاعدة التيار الازرق يبدون في حال انتظار وترقّب لان تأخر الجواب من عند مَن ينبغي ان يعطي الجواب له مبرراته ولن يكون حاسما قبل شهر على الأقل”.

وبحسب النائب نفسه فان النائبة بهية الحريري ونجلها احمد الذي يشغل منصب الامين العام لـ”تيار المستقبل” هما وحدهما من أُتيح لهما حصراً مقابلة الرئيس الحريري حيث هو الآن في دولة الامارات العربية مباشرة. وعلى رغم ان هذا اللقاء كان استعراضا موسعا لكل التطورات والمآلات السياسية الدراماتيكية على الساحة اللبنانية وتلك المتصلة بمستقبل “تيار المستقبل” وزعامته ودوره والثغر التي يواجهها عمل هذا التيار، فانهما (النائبة بهية ونجلها احمد) لم يحملا إلى أنصار التيار وقاعدته العريضة عند عودتهما من دبي ما يشبع عطشهم لاستشراف المستقبل السياسي. وهو ما فسره بعض العالِمين ببواطن الامور على الساحة السنية على محملين: الاول انه سلوك المربك والمنتظر والذي يتعمد الابهام والالتباس بانتظار توافر المزيد من الوقائع الصلبة بغية اتخاذ القرار النهائي. والثاني ان الحريري مضطر إلى هذا السلوك ليكون ذلك مقدمة لازمة ليعود في لحظة ما إلى الميدان مجددا على صهوة الذي لا يستغنى عنه ولا بديل منه.

ويروي النائب إياه ان ثمة زميلاً نقل اليه حادثة مفادها ان عضو كتلة “التنمية والتحرير” والمساعد السياسي للرئيس نبيه بري النائب علي حسن خليل اجرى ابان وجودهما معا في مجلس النواب اتصالا هاتفيا بالرئيس الحريري وسأله مباشرة عن مسألة عودته وصحة ما يتردد ويشاع عن رغبته في العزوف والاحتجاب السياسي، فنفى الحريري هذه الانباء وابلغ اليه انه عائد لاريب، ولكنه آثر ألا يحسم له الموعد النهائي لهذه العودة.

وبحسب عالِمين بدخائل الامور فان اتصال النائب حسن خليل بالرئيس الحريري كان موحى به ومطلوبا منه لكي يبني المعنيون على الشيء مقتضاه ويضعوا حساباتهم على اساس هذه العودة او عدمها.

ولا شك في ان “الفوضى” التي سادت الساحة السياسية والاعلامية حيال عودة الحريري او احتجابه، فعلت فعلها عند الرئيس بري وقوى اخرى تُدرج عادة في خانة الخصومة مع الحريري وتياره، اذ ان هذا الاهتمام بمستقبل دور الحريري ناجم عن مستقبل الاوضاع واحتمالاتها في الساحة السنية اذا ما قرر الشخص الاقوى في طائفته والزعامة الأهم في هذه الساحة الاحتجاب لسبب او لآخر، واستطرادا يقفز السؤال عن الجهة او الجهات التي يمكنها ان تسارع إلى ملء الفراغ المدوي الذي سيخلفه احتمال احتجاب زعامة سنية بحجم زعامة تيار الحريرية السياسية او تراجع دورها وانحسار شعبيتها وحضورها.

وعلى رغم ان الانتخابات النيابية الاخيرة اعطت جرعة امل لقيادات سنية من خارج عباءة الحريرية السياسية، فان اي جهة سنية لا تجد ان لديها من القدرات والمؤهلات ما يتيح لها جرأة التفكير بالتصدي لمثل هكذا دور ولمثل مهمة ثقيلة هي مهمة التفكير بوراثة الحريرية السياسية لاعتبارت عدة أبرزها:

– ان التجربة السياسية التي عاشها لبنان منذ مطلع عقد التسعينات وحتى الأمس القريب قد رسّخت عند كل المعنيين عن خطأ او عن صواب نظرية الحكم والريادة “للاقوى في طائفته”، وهو ما انطبق على كل الشوارع الطائفية وعُمل به لاحقا. لذا صار من الصعوبة بمكان التمرد على هذه القاعدة والخروج عنها لان الوضع السابق وان كان يرسل أكثر من اشارة إلى انه دخل في طور الاحتضار، فان البديل الجديد المنتظر لم يولد وربما لم يتكون في رحم الزمن بعد.

– ثمة ولاريب من تأخذه “النوستالجيا” والحنين إلى زمن زعامات المدن الساحلية الثلاث في الساحة السنية. ولكن هذا الامر على بلاغته لم تنضج ظروفه وشروطه بعد.

– ان ثمة في الساحة السنية من “دوزن” نمط حركته وردة فعله على اساس وجود زعامة منافسة له، لذا ليس بامكانه معرفة مستقبل وضعه ومكانته اذا ما اختفت فجأة تلك الزعامة التي كان يحرص دوما على الظهور بمظهر الندّ لها.

وعليه، ففيما كانت الانظار تتركز سابقا على الساحة المسيحية لاستشراف الوضع فيها انطلاقا من نظرية انها المتحرك والمتحول من بين كل الساحات التي تعيش ثباتا انتخابيا، فان الحديث المتصاعد عن امكان احتجاب الحريري واعتزاله شكّل عامل جذب حول مستقبل الساحة السنية.

واللافت في هذا السياق استنتاجان: الاول أطلقه الرئيس نجيب ميقاتي في جلسة مغلقة له السبت الماضي مع اركان فريقه السياسي، وجاء فيه ان “الامور غامضة وكل الاحتمالات مطروحة، ولكن الثابت عندنا هو ان الجميع خسر من شعبيته بفعل التطورات المتسارعة في العامين الماضيين”.

والاستنتاج الثاني قاله ايضا في مجلس مغلق أحد اركان فريق الامانة العامة في “حزب الله” وفحواه ان “الصورة مشوشة وغامضة عند الجميع”، وهو ما عبّر عنه رئيس كتلة نواب الحزب محمد رعد عندما وصف الوضع الراهن بانه “ازمة وطنية”.