يحاول تعلُّم العربية لفرض شخصيته وسط الفصائل المسلحة.. لماذا لم يستطِع قاآني تعويض مكان قاسم سليماني في العراق؟

أثارت محاولة اغتيال رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، الجدل حول عدم قدرة الجنرال إسماعيل قآاني، قائد فيلق القدس الإيراني، على تعويض خليفته قاسم سليماني، الذي اغتالته أمريكا سنة 2020 رفقة العراقي أبو مهدي المهندس.

ماذا لو كان سليماني حياً؟

بعد محاولة اغتيال رئيس الوزراء، مصطفى الكاظمي، سارع الجنرال إسماعيل قاآني لزيارة بغداد، ولقاء الكاظمي للتأكيد على عدم معرفة طهران المسبقة بهذا الأمر، وعدم داريتها أيضاً بهوية الجاني.




يقول قائد شبه عسكري بارز، في أحد الفصائل المسلحة الشيعية المقربة من إيران، لـ”عربي بوست”: “لو كان سليماني حياً، لاختلفت الأمور كثيراً، ولم يتجرأ أحد من الفصائل على مجرد التفكير في اغتيال الكاظمي، لكن للأسف، قاآني لم يستطِع التواصل مع حلفاء إيران في العراق بشكل جيد أو حتى مقبول”.

هذه النقطة التي تحدث عنها القائد شبه العسكري العراقي، تمت إثارتها في إيران أيضاً، خاصة بعد غضب المرشد الأعلى، آية الله علي خامنئي، من تورط أحد الفصائل العراقية المدعومة إيرانياً، في محاولة اغتيال الكاظمي، بحسب مصدر مقرب من مكتب خامنئي تحدث لـ”عربي بوست”، في تقرير سابق.

وعلى ضوء هذه الخلفية، يقول مصدر مقرب من الحرس الثوري الإيراني، لـ”عربي بوست”: “حتى الآن لم يظهر السيد قاآني أي قدرة على كبح جماح الفصائل العراقية، بل العكس هو الظاهر، فمنذ اغتيال سليماني، وهذه الفصائل تتصرف بمنأى عن طهران تماماً”.

يُذكر أن الفصائل المسلحة الشيعية العراقية، المقربة من إيران، والتي تم تأسيسها على يد قاسم سليماني، القائد السابق لفيلق القدس التابع للحرس الثوري، قد عارضت أوامر القيادة العليا في طهران مراراً وتكراراً، بعد اغتيال سليماني.

فعلى سبيل المثال، عندما طلبت طهران من كتائب حزب الله العراقي، وهو فصيل شيعي مسلح قوي، ومقرب من الحرس الثوري الإيراني، عدم استهداف المصالح الأمريكية في العراق، بهدف تهدئة الأوضاع قليلاً، عارضت عصائب أهل الحق، وهي فصيل مسلح شيعي عراقي آخر، يحظى بدعم إيراني هذه الهدنة، واخترقتها أكثر من عشر مرات، في تحدٍّ صريحٍ للأوامر الإيرانية.

يقول أحد قادة الفصائل المسلحة العراقية المقربة من إيران، لـ”عربي بوست”: “منذ اغتيال سليماني والمهندس، والفصائل يقاتل بعضها البعض، فعصائب أهل الحق يريد الزعامة، وكتائب حزب الله ترفض هذا الأمر، وحده سليماني كان قادراً على حل مثل هذه الخلافات، لكن قاآني وقف مكتوف الأيدي أمام هذه الصراعات”.

وبحسب المصدر ذاته، فإن قادة الفصائل المسلحة العراقية، لم يجدوا في قاآني الشخصية الحازمة التي تستطيع تنظيم أمورهم الداخلية، وتنظيم علاقاتهم مع رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، الذي يحاول السيطرة عليهم وحصر سلاحهم بيد الدولة.

لا يتحدث العربية

كانت عدم تحدث إسماعيل قاآني باللغة العربية، بخلاف سلفه القوي، قاسم سليماني الذي كان يتحدث اللغة العربية بطلاقة، نقطة أخرى هامة في توتر علاقته بحلفاء طهران في العراق.

يقول زعيم سياسي شيعي عراقي، مقرب من إيران لـ”عربي بوست”: “أصابتنا الصدمة في أول لقاء لنا مع إسماعيل قاآني، عندما وجدنا أنه يصطحب مترجماً معه، كان الأمر شديد الغرابة، وكان حاجزاً كبيراً بينه وبين الفصائل السياسية والمسلحة الشيعية في العراق”.

وعلى ما يبدو فإن مسألة عدم إجادة إسماعيل قاآني للغة العربية، كانت مسألة هامة وضرورية، لدرجة جعلت قاآني يُقدم على تعلم اللغة العربية، بحسب مصدر إيراني مقرب من الحرس الثوري، تحدث لـ”عربي بوست”.

وكشف المصدر نفسه أن “الجنرال قاآني بدأ فعلاً في تعلم اللغة العربية منذ عدة أشهر، لكنه يلاقي صعوبة كبيرة في التقدم، وحتى الآن لا يستطيع التحدث أو فهمها بدرجة حتى مقبولة على الأقل”.

لكن مسألة إجادة اللغة العربية ليست المشكلة الوحيدة لإسماعيل قاآني مع حلفاء إيران في العراق، فالرجل الذي قضى أغلب سنوات خدمته في الحرس الثوري الإيراني، مسؤولاً عن ملف أفغانستان، والتعامل مع الجماعات الأفغانية المختلفة، لم يكن لديه الوقت لمعرفة حلفاء بلاده في العراق، أو التعرف عليهم بشكل مقرب خلال عهد سليماني.

يقول قائد شبه عسكري، في فصيل عصائب أهل الحق، ومقرب من زعيم الفصيل قيس الخزعلي، لـ”عربي بوست”: “لم يكن يعرف أسماءنا ولا وجوهنا، ولا يفرقنا عن بعضنا البعض، حتى الآن يجد صعوبة في معرفة عدد من شخصيات قادة الفصائل، تشعر أنه مجرد رسول، يحمل الرسائل الآتية من طهران وفقط، ويفتقر إلى أي رؤية في التعامل مع الفصائل، مما دفع البعض من قادة الفصائل إلى التصرف في كثير من الأمور بشكل منفرد تماماً دون الرجوع إلى طهران، أو حتى مشاورة باقي قادة الفصائل”.

هل قاآني هو نفسه سليماني؟

بعد يومين من اغتيال الولايات المتحدة لقاسم سليماني، دأبت المواقع الإخبارية ووسائل الإعلام الإيرانية المرتبطة بالحرس الثوري إلى الدعاية إلى إسماعيل قاآني، مستخدمين شعار “قاآني هو نفسه قاسم سليماني”، هذا الشعار المستوحى من الشعار الذي استخدمه أنصار آية الله علي خامنئي، في بداية توليه قيادة الجمهورية الإسلامية، بعد وفاة مؤسسها آية الله روح الله الخميني، مرددين “خامنئي.. هو خميني آخر”.

لكن بمرور الوقت، وكثرة الصراعات التي تحدث بين وكلاء إيران في المنطقة، لم يستطع قاآني أن يثبت هذا الشعار، أو يخرج حتى من ظل قاسم سليماني.

مسئول إيراني بارز، ومقرب من القيادة العليا في طهران، يقول لـ”عربي بوست”: “الأمر كان صعباً للغاية على قاآني، السيد سليماني كان اسماً لامعاً داخل إيران وخارجها، وشهرته سبب كبير فيها يعود للغرب، وهيمنته على السياسة الإقليمية لإيران، وحتى هيمنته على فيلق القدس نفسه، جعلت أي قائد آخر داخل فيلق القدس غير مرئي أو مشهور”.

لكن هذا لا يعني التقليل من دور إسماعيل قاآني داخل فيلق القدس، فعندما قررت طهران التدخل في سوريا لحماية نظام بشار الأسد، كانت في حاجة إلى عددٍ كبيرٍ من المقاتلين غير الإيرانيين، تجنباً لتكبد الكثير من الخسائر، وبحكم معرفة إسماعيل قاآني الهائلة بأفغانستان، فقد قام بتأسيس والإشراف على “لواء فاطميون”، الذي يضم عدداً كبيراً من الأفغان الشيعة الموالين لإيران، والذين ذهبوا للقتال مع قوات بشار الأسد.

يقول مسؤول إيراني لـ”عربي بوست”: “لدى قاآني مشكلة أخرى وهامة جداً، وهي شخصية سليماني الكاريزمية، والتي لم يستطِع مجاراتها، قاآني مقارنة بسليماني، يتحدث بنبرة هادئة تكاد تكون باردة، لديه أيضاً نظرة حانية، لا تتماشى مع حجم قائدٍ لفيلق القدس، وحجم القوة التي أسسها سليماني لفيلق القدس”.

قاآني وزينب سليماني

كان من المتوقع أن تتجه الأنظار إلى إسماعيل قاآني، الذي عينه المرشد الأعلى، آية الله علي خامنئي، بشكل سريع، والدعاية الإعلامية التي خصصت له، وذلك بعد اغتيال أمريكا لقاسم السليماني.

لكن ما حصل هو العكس، إذ توجهت كل الأنظار إلى زينب سليماني، ابنة قاسم سليماني، التي قادت حملة دعائية كبرى لوالدها بعد اغتياله، وظهرت في أكثر من مناسبة تتكئ على السلاح، وتروي بطولات والدها، وتطلب الانتقام لمقتله.

يقول مسؤول إيراني بارز، ومقرب من القيادة العليا في طهران لـ”عربي بوست”: “لنكُن صريحين، فشل قاآني في جلب الأنظار إليه، خاصة بعد التعهد بالانتقام لدماء سليماني، وإحباط عدد كبيرٍ من الإيرانيين بسبب عدم تنفيذ الوعد”.

وقال المتحدث: “حتى الهجوم الصاروخي على قاعدة أمريكية الذي تسبب في إسقاط طائرة محملة بالركاب الإيرانيين زاد من تضاؤل صورة قاآني كقائد عسكري قوي، كل هذا مع ظهور زينب سليماني، واتجاه وسائل الإعلام الإيرانية إلى استمرار الدعاية لسليماني حتى بعد وفاته، وذلك من خلال البرامج والأفلام الوثائقية عن معاركه، كل هذا أضعف موقف قاآني للغاية”.

كان قاسم سليماني يتمتع بشخصية قوية (أرشيف)
كان قاسم سليماني يتمتع بشخصية قوية (أرشيف)

هل تفقد إيران نفوذها في العراق؟

على ضوء هذه الخلفيات، هناك سؤال مطروح وتمت إثارته في الآونة الأخيرة، بعد محاولة اغتيال رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، وخسارة الأحزاب السياسية الشيعية المدعومة من إيران في الانتخابات البرلمانية التى تم إجراؤها في 10 أكتوبر 2021.

السؤال يتجلى في: هل تخسر الجمهورية الإسلامية نفوذها الإقليمي وخاصة في العراق، بعد مقتل سليماني، وعدم قدرة قاآني على تعويض مكانه؟

وفي صدد الإجابة على هذا التساؤل، يقول مصدر إيراني مقرب من الحرس الثوري لـ”عربي بوست” إن “هناك تراجعاً ملحوظاً للنفوذ الإيراني في العراق بالتحديد، ولولا سيطرة حسن نصر الله على الأمور في حزب الله، لكنا شهدنا التراجع في لبنان، لكن الأمر ليس بهذه السهولة، لن تقبل القيادة الإيرانية بهذه الخسارة، حتى وإن كانت خسارة غير كاملة”.

وفي هذا السياق، يرى زعيم سياسي شيعي عراقي، مقرب من إيران، أنه “حتى وإن لم يستطِع قاآني ملء الفراغ الذي نتج عن اغتيال قاسم سليماني، فإن الأمور لن تكون سيئة بشكل هائل”.

وقال المتحدث لـ”عربي بوست”: “واضح للجميع أن الحرس الثوري فقد جزءاً من سيطرته على الفصائل العراقية، لكن إيران ليست فقط الحرس الثوري، والعلاقة بين الفصائل العراقية وطهران طويلة الأمد، تمتد لأكثر من 15 عاماً، وليس من السهل خسارتها في المستقبل القريب”.

ويرى السياسي العراقي الشيعي أن طهران لن تستسلم لفكرة فقدان نفوذها التدريجي على وكلائها الإقليميين، فيقول “قاآني ليس بالقائد المهيمن، لكني واثق من أن طهران ستخلق قائداً آخر قوياً، يحقق أهدافها الاستراتيجية في المنطقة”.