دولة الرئيس وهفوة التعليق – بشارة شربل – نداء الوطن

هل فقد الرئيس بري روح النكتة وإجادة التصويب؟

سؤال يطرح نفسه عقب تعليق رئيس المجلس على الحرائق التي استعرت مذكّراً رئيس الجمهورية بأنه امتنع عن توقيع مرسوم تعيين “مأموري الأحراج” وتذرّع خلافاً للقانون بوجوب تأمين التوازن الطائفي.




فالرئيس بري، المعروف بظرفه وقدرته على اختصار المواقف المعقدة بمثَل شعبي أو بقول مأثور، فاته أنّ مقاله قد لا يقع في المقام. أولاً، لأن “الضرب في الميت حرام” بعدما صارت عظام المرسوم رميماً، وبات الجدل حول طائفية التعيينات ينتمي الى عالم ما قبل الانهيار الذي سقطت كلّ الطوائف في أتونه بفضل أهل النظام والمنظومة مجتمعين، وليس منهم “تحت الغربال” إلا نزر غير ذي بال.

ثانياً، حصافة الرئيس بري خانته ربما بفعل ما يعتمل في الصدور بين “الحركة” و”التيار”، فسقط في “التنمير” بدل وضع النقاط على الحروف، ثم ذهب أبعد مما يقتضيه الحدث معتبراً أن نار الطائفية أشد ضراوة من حرائق الأشجار التي تعم لبنان. والتشبيه عادي في متناول أي كان ولا يشبه ما عوَّدنا عليه الرئيس بري من تلميحات ولمعات وابتكار.

يعلم الرئيس بري من غير ان يصرح بأن الحرائق المندلعة في لبنان لا تشبه تلك التي تشتعل في كاليفورنيا او ايطاليا حيث الدولة وإدارات الكوارث حاضرة ليل نهار. وسواء كانت بفعل فاعل أم انتقاماً تمارسه الطبيعة فإنها تقع لدينا على اهتراء ليس النقص في مأموري الأحراج من أسبابه الرئيسة على الاطلاق. فحرائق الثروة الحرجية التي استثارت الناس قبل 17 تشرين، ما عادت تدفع الى الحماس أو الاستنفار او تتسبّب بالاحتجاج. صارت جزءاً من حرائق اندلعت في كلّ مناحي الحياة. الودائع والليرة والادارة والقضاء وسمّ ما شئت من العناصر والمؤسسات، كلها تبخرت أو ذابت او تفتّتت حتى باتت حرائق الأحراج عرضاً تلفزيونياً يتابعه المشاهد إذا لم تلفح بيته النيران، أو يشيح النظر عنه لئلا يضيف كآبة الى أيامه السوداء.

لا يخفى على رئيس مجلس النواب أنّ مكافحة الحرائق واجب الدولة بأجهزتها وقدرتها على المراقبة والاستباق. لكن هل يمكن أن يكون “الدفاع المدني” أفضل حالاً من الجامعة اللبنانية او الضمان او الاستشفاء او القضاء أو مؤسسة مجلس الوزراء، حين تكون دولة القانون برمتها ساقطة لا احترام فيها لمعابر حدودية ولا لقوى الشرعية ولا لجنى أعمار الناس ولا لعدالة على كل المستويات، وخصوصاً لضحايا انفجار النيترات؟

هذه المرة زاغ اصبع الرئيس بري عن الجرح لأنه لا يستطيع إعفاء مجلسه الكريم من المسؤولية وإلقاء كل الحمل على عهد هاجسُه أولاً وآخراً توريث جبران، أو على عطب الطائفية، وعمره من عمر لبنان. فالسلطة منذ أُقرّ “الطائف” ثم تمّ الانقلاب عليه “مجلسية” بامتياز. والحكومات ملخص “سيد نفسه”. هناك مرّت كل الموازنات وصدقت القوانين وصارت الرقابة شراكة ومحاصصة و”ع السكين يا بطيخ”، كما جاء على لسانه الصريح. هناك أضعنا مشروع بناء “دولة القانون” حين غار مشروع “السلطة القضائية المستقلة” في متاهات اللجان وغياهب الأدراج. وهناك يُعقد الأمل على انتخابات تأتي بنواب يمثلون فعلياً مصلحة الوطن والمواطن.

دولة الرئيس أنت أذكى من أن تبحث بعيداً عن سبب حرائق الأحراج.