“حزب الله” ينفّذ “محاكاة” 7 أيار في عيون السيمان وأعالي الشوف!

أحمد عياش – النهار

الأنباء التي تحدثت عن الانتشار العسكري لـ”#حزب الله” في مرتفعات عيون السيمان خلال الأيام القليلة الماضية، لم تأخذ طريقها الى وسائل إعلام الحزب، كما لم تثر أيّ ردة فعل من جانب الحزب لا نفياً ولا تأكيداً. في الوقت نفسه، جرى انتشار عسكري مماثل في مرتفعات الشوف، وفي وقت متزامن مع الانتشار في مرتفعات عيون السيمان، لكنّه ظلّ طيّ الكتمان.




يقول النائب السابق فارس سعيّد: “نعيش في الجرد ونعرفه معرفة أهل البيت، من عيون السيمان الى جرد العاقورة الى جرد تنورين وصولاً إلى القرنة السوداء. ونعرف كما يعرف الجيش ومعه السفارات، بوجود حزب الله داخله. السؤال لماذا أراد الحزب إعلان وجوده؟ لمن الرسالة؟”.

قبل المتابعة للإجابة عن سؤال سعيّد، نتوقف عند وقائع الانتشار المسلح لـ”حزب الله” المعلن في عيون السيمان، والمضمر في مرتفعات الشوف. ففي عيون السيمان، وفي موازاة تسريب الأنباء، الذي بدا متعمّداً، عمد الحزب الى توزيع نبأ قيام رئيس المجلس التنفيذي في حزب الله السيد هاشم صفي الدين السبت الماضي، بافتتاح بئرَي مياه في بلدتي طاريا ووادي أم علي، وسلّم آليّات لمركز الدفاع المدني في بلدة رسم الحدث، كما وزع الحزب كلمة لصفي الدين ألقاها لمناسبة افتتاح “روضة الشهداء” في بعلبك قال فيها: “أنتم أيّها المزايدون، يا من رفعتم الشعارات وزايدتم على مدى سنوات طويلة وتهجّمتم وظلمتم واعتديتم تحت عنوان الاستقلال والسيادة والحرّية، أنتم بعد الآن يجب أن تسكتوا، لأنّكم أصبحتم مفضوحين…”

لا داعي لبذل الجهد لمعرفة من هم هؤلاء “المزايدون” الذين دعاهم المسؤول البارز في “حزب الله”، الذي يأتي في المرتبة الثالثة بعد الأمين العام ونائبه، الى “السكوت.” ففي مقدّمة هؤلاء رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي وليد جنبلاط ورئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع، اللذان انبريا لتوجيه أشد الانتقادات للحزب خلال أزمة لبنان المستمرّة مع دول الخليح العربي، كما فعل جنبلاط. وكذلك خلال أزمة أحداث الطيّونة وتداعيات اقتحام مرتدي القمصان السود لعين الرمّانة، كما فعل جعجع.

والآن ما الذي جرى في مرتفعات الشوف؟ وفق معلومات لـ”النهار” من أوساط بارزة في المنطقة، نفّذ “حزب الله” انتشاراً مسلحاً هناك في الأيام الماضية تحت ستار رعاة ماعز، ولكن مدجّجين بالسلاح. ولم يكن هناك قمصان سود، بل رعاة قطيع من الماعز بلباس أسود اللون. تضيف هذه المعلومات، أن الاتصالات التي جرت بين فعاليات المنطقة مع مرجعية هؤلاء الرعاة المسلحين، أدّت الى إنكفاء الأخيرين وعودتهم من حيث أتوا من المقلب الشرقي للمرتفعات المطلّ على سهل البقاع. وأعادت هذه الأوساط الى الأذهان، ما جرى إبان أحداث 7 أيّار عام 2008، التي صارت مثلاً يطلق على تدخلات الحزب المسلحة في الداخل اللبناني. ففي مرتفعات الشوف، وقعت وقتذاك مواجهة بين مسلحين تابعين للحزب اجتازوا المرتفعات فوقعوا في قبضة مسلحين من المنطقة محسوبين على الحزب التقدّمي الاشتراكي. أمّا بقيّة المعطيات حول ما جرى قبل 13 عاماً فقد صارت معروفة، وأبرزها الإفراج عن مسلحي الحزب بمبادرة من جنبلاط، وذهاب المتخاصمين الى اتفاقية الدوحة، بعد سقوط عشرات القتلى والجرحى في بيروت، ومثلهم في بعض مناطق الجبل.

والآن، ماذا عن السؤال الذي وجّهه فارس سعيّد وهو: لمن الرسالة التي أراد حزب الله توجيهها بالإعلان عن انتشاره المسلّح في عيون السيمان؟

يجوز القول إن جزءاً من الجواب، قد ورد للتوّ، بالإشارة الى التصريح الأخير لرئيس المجلس التنفيذي في “حزب الله” . لكن هل هذا يكفي؟ بالتأكيد، الجواب بالنفي. ولا بدّ من مقاربة السؤال بصورة شاملة نلتقط أول خيوطها في توصيف الرئيس فؤاد السنيورة في لقائه الإعلامي الأخير حيث أشار الى أن هذا التنظيم يعاني “قلقاً” نتيجة فقدانه التغطية التي كان يتمتع بها داخلياً والتي بلغت ذروتها إبان حرب تمّوز عام 2006. ويشير مراقبون هنا الى أن هناك هوّة واضحة تفصل حالياً ما بين الحزب وحليفه المسيحي الأبرز، أي “التيّار الوطني الحرّ” تجلّت في ملفّين بارزين هما: التحقيق القضائي في انفجار مرفأ بيروت، والأزمة الديبلوماسية بين بيروت والرياض. وفي هذا السياق يقف التيّار بقيادة رئيس الجمهورية ميشال عون على طرف نقيض من الحزب في مسألة مطالبة الأخير بتنحية المحقق العدلي طارق البيطار. كما أن “التيّار” ليس في الموقع نفسه في تمسّك الحزب ببقاء وزير الإعلام جورج قرداحي في منصبه، علماً بأن “التيّار” واجه معضلة مماثلة أيام حكومة حسّان دياب عندما تسبّب وزير الخارجية السابق شربل وهبة بأزمة ديبلوماسية مماثلة مع الرياض بسبب مواقف أطلقها الأخير. ولم يتأخر “التيّار” وقتذاك في دفع الوزير السابق المحسوب عليه الى الاستقالة، ما أدّى الى احتواء الأزمة الديبلوماسية قدر الإمكان، فلم تتطوّر الى ما تطوّرت إليه الأزمة الأخيرة.

في سياق متصل، لا يبدو أن الرئيس نبيه برّي على موجة واحدة مع “حزب الله”، أقله في ما يتعلق بسبل معالجة الأزمة الديبلوماسية بين لبنان ودول الخليج العربي. ولم يعمد الرئيس برّي، أو أيّ من نوّاب كتلته أو قياديي حركة “أمل”، الى السير على خطى “حزب الله” في شأن بقاء الوزير قرداحي في منصبه، كما يتشدّد الحزب في ذلك. لكن برّي يبدو في سلوكه، مثله عون، يتصرّف على قاعدة “من في فمه ماء”.

في الخلاصة، صار أسلوب إرهاب الخصوم كما حصل في 7 أيّار 2008، وسيلة “حزب الله” في فرض مشيئته هذه الأيام. لكن “الرياح” التي جرت الشهر الماضي في عين الرمّانة، واليوم في مرتفعات عيون السيمان والشوف، لا يبدو أنّها “تشتهيها سفن” الحزب الذي ما زال مكابراً في قراءة متغيّرات لبنان!