طرابلس تجسّد المشهد الأشد فقرا في حوض المتوسط

بعد الانتظار بصبر في الطابور، مدت أم مصطفى حاويتين بلاستيكيتين لمتطوع في مطبخ الحساء لأخذ حصّتها من الأرز والخضر المطهوّة. وتلك هي الوجبة الوحيدة التي تتناولها الأم العزباء العاطلة عن العمل وأبناؤها الثلاثة في ذلك اليوم.

وقالت الأم البالغة من العمر أربعين عاما، وهي تشير إلى مطبخ الحساء في الهواء الطلق في مينا الساحلية الواقعة على طول الحواف الشمالية الغربية لمدينة طرابلس الأكثر فقرا في لبنان “أنا مفلسة ومدانة بالفعل. لذلك، آتي إلى هنا كل يوم فقط للحصول على ما يكفي من الطعام منذ العام الماضي”.




وكانت ترتدي قناعا طبيا مستعملا وممزقا. وطلبت استخدام كنية “أم مصطفى” بدلا من اسمها الكامل. وقالت لمؤسسة تومسون رويترز “كانت مينا جميلة جدا. والآن مزقها الفقر والبطالة”.

وفي الأسبوع الماضي، زار مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالفقر المدقع وحقوق الإنسان أوليفييه دي شوتر، طرابلس في إطار بعثة لتقصي الحقائق في لبنان الذي صنف البنك الدولي انهياره الاقتصادي بأنه من الأسوإ منذ الثورة الصناعية. وكان دي شوتر قد عمل سابقا مقررا خاصا معنيّا بالحق في الغذاء، وكانت رحلة لبنان هي الثانية له فقط بعد أن حقق في الفقر في أوروبا.

وتحولت طرابلس إلى المدينة الأكثر فقرا على طول ساحل البحر المتوسط ​​بأكمله بعد الترحيب بها باعتبارها القوة الصناعية في البلاد، وتدهورت حالتها حتى قبل اندلاع الأزمة الحالية، وفقا لبرنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية.

وقال دي شوتر لمؤسسة تومسون رويترز إنه سمع شهادة “مؤثرة” خلال رحلته اليومية. واعتبر “هذه المدينة تعبيرا مختصرا عن لبنان ككل، في محاولتها لعلاج ندوب الحرب الأهلية والعيش في علاقات متناغمة عبر المجتمعات على الرغم من الأزمة الاقتصادية”. وأكد أنه يراقب “تأثيرات الأزمة على هذه العلاقات بين الطوائف. وتبقى طرابلس مكانا تجب مراقبته بعناية شديدة”.

أعداد متزايدة

قلة هم الذين يمكنهم تتبع تراجع طرابلس عن كثب مثل روبرت أيوب، الذي أسس مطبخ مائدة المحبة للحساء الذي كان بمثابة محطة دي شوتر الأولى في المدينة الشمالية.

وتوقفت مصفاة النفط في المدينة عن العمل وكذلك خط السكة الحديدية الذي يربطها شمالا بسوريا وجنوبا ببقية لبنان. وأدى تدفق اللاجئين السوريين الفارين من الصراع المجاور إلى التنافس على الوظائف التي تتطلب مهارات متدنية.

وفي عام 2018، التقى أيوب بزميل عمل سابق لهيئة الموانئ بطرابلس، وفي ذلك الوقت بلغ معدل الفقر الحضري في طرابلس 58 في المئة، وفقا للأمم المتحدة، مما يعني أن كل مقيم آخر يعيش تحت خط الفقر.

وقال أيوب، الذي افتتح على الفور مائدة المحبة لتقديم حوالي 45 وجبة مجانية يوميا، معظمها لزملائه السابقين الذين تحولوا إلى جامعي نفايات “انقلبت حياة زميلي رأسا على عقب، وكان يبحث في القمامة للعثور على مواد قابلة لإعادة التدوير لبيعها”.

وكانت أقل من ثلاثة أرباع الأسر في طرابلس تأكل ثلاث وجبات في اليوم حتى قبل الأزمة، وفقا لمنظمة الأغذية والزراعة، التي حددت أن هذا هو أدنى معدل في لبنان.

تفاقم انعدام الأمن الغذائي بسبب الأزمة الاقتصادية في البلاد، حيث فقدت الليرة أكثر من 90 في المئة من قيمتها وارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة تزيد عن 600 في المئة، وفقا لبرنامج الغذاء العالمي.

وتوزع مائدة المحبة الآن 700 وجبة، وهي خدمة أطلقت عليها الأمم المتحدة “شبكة الأمان الأخيرة ضد فقر الغذاء”. ومع ذلك، لا يعرف أيوب المدة التي يمكنه الصمود فيها ويخشى أن تطول قائمة انتظار الطعام المجاني.

ويعتمد المطبخ على التبرعات، ويقول أيوب إن زبائنه يبيعون آخر بضائعهم، من أسطوانات الغاز الفارغة إلى الغسالات إلى السجاد، لتوفير الكهرباء أو الماء.

وتابع “ماذا يفعل هؤلاء الأشخاص بعد أربعة أو خمسة أشهر؟ باعوا خواتم زفافهم وقطع المجوهرات الذهبية بالفعل منذ وقت طويل. كم عدد الذين سنكون قادرين على استضافتهم في الأشهر المقبلة؟”

ويقع حي التنك على بعد بضع مئات من الأمتار فقط، وهو منطقة من أكواخ يتنافس فيها العديد من السكان على الخردة لكسب لقمة العيش.

وتوفر شبكة الكهرباء الحكومية ساعتين فقط من الكهرباء في اليوم، لذلك دفع السكان القادرون ثمن مولد خاص للحصول على طاقة كافية لإشعال جهاز تلفزيون أو عدد قليل من المصابيح.

وقال أحمد عياش 30 عاما، الذي يعيش في كوخ من غرفة واحدة مع زوجته وطفله الصغير “لا أستطيع شراء مولد كهربائي لتعويض الفارق”.

ويبحث عياش عن الخردة على طول الساحل من الساعة الرابعة صباحا حتى الواحدة ظهرا، ثم مرة أخرى من الساعة التاسعة مساء حتى الثانية صباحا، ويكسب حوالي 50 ألف ليرة لبنانية يوميا، أي ما يعادل 2.40 دولار. ويجلب المد والجزر أي شيء من الزجاجات البلاستيكية إلى ألواح الخشب.

وتنتشر المناطق العشوائية في جميع أنحاء طرابلس، وتقدم مساكن دون المستوى للفئات الأكثر ضعفا في حي التنك ومنطقة المنكوبين ووادي النحلة، وكلها زارها دي شوتر ومر بالسكان الجالسين في الظلام في أكواخ من غرفة واحدة.

وتُدعم الحاشيات المبللة في وضع عمودي حتى تجف بعد عطلة نهاية أسبوع ممطرة، وكل هذا قبل حلول الشتاء الرطب في لبنان.

وفي تقريره لعام 2017، قال برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية إن الحاجة إلى الإسكان الاجتماعي “لم تكن في أي مكان على الصعيد الوطني أكبر مما هي عليه في منطقة طرابلس الحضرية”، لكن الأحياء لم تشهد سوى القليل من الاستثمار أو لم تشهد أي استثمار على الإطلاق.

الفقر والثراء

ومع ذلك، فإن بعض أثرياء لبنان يأتون أيضا من طرابلس. وتضم قائمة فوربس للأثرياء لعام 2021 ستة مليارديرات من لبنان. وينحدر الزعيمان الأولان (رئيس الوزراء نجيب ميقاتي وشقيقه طه ميقاتي) من طرابلس ويملكان عقارات في منى بالقرب من مطبخ الحساء وحي التنك.

وبعد الحرب الأهلية في لبنان، تدفقت الاستثمارات على بيروت وضواحيها لكن المناطق الشمالية “الهامشية” أُهملت، كما أوضح أديب نعمة الخبير المحلي في شؤون الفقر والتنمية، الذي قضى أكثر من عقد في الأمم المتحدة.

وقال “هذه ليست مدينة ذات جيوب فقيرة مثل بيروت. إنها مدينة فقيرة بها جيوب ثرية”.

وأوضح خالد أبوإسماعيل رئيس قسم التنمية الاقتصادية ومكافحة الفقر في لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا، أن طرابلس كانت عرضة بشكل خاص للدمار الذي أحدثته الأزمة المالية في لبنان. وأكد أن ما تشهده أنحاء البلاد يتضخم في طرابلس.

وقلة من سكان طرابلس فقط يؤمنون بالمستقبل. فعندما أخبر دي شوتر مجموعة من الرجال والنساء أنه سيحمل مخاوفهم إلى الحكومة، سخر الكثيرون منه. وسأل أحدهم “ما رأيك لو تأخذنا معك عندما تغادر؟”.