موظفو المصارف يعيشون أصعب مرحلة في تاريخ القطاع: إقفال فروع بالجملة وعمليات صرف غير مسبوقة… والآتي أعظم!

سلوى بعلبكي – النهار

من المعروف أن #القطاع المصرفي اللبناني، بما اكتنزه من ثقة تاريخية محلياً وعربياً، كان من أكثر القطاعات الإقتصادية إحترافاً، ونمواً وتحقيقاً للأرباح، لذا انتشرت فروعه والمؤسسات المالية التابعة له في مختلف بقاع لبنان والعالم العربي وحتى أوروبا ووصلت الى أميركا وأوستراليا والبرازيل. وبعدما تفاقمت الازمة الاقتصادية وتدنّت قيمة العملة الوطنية وانهارت معظم مقومات الاستثمار و#الاقتصاد اللبناني، بدأت إدارات هذه المصارف التفكير في كيفية البقاء على قيد الحياة، كأولوية على الإنتشار والتوسع، ولإنقاذ القطاع بدأت أكبر عملية تقليص لحجمه وانتشاره داخلياً وخارجياً، كما بدأ الخروج من الأسواق العربية عبر بيع الوحدات التابعة للمصارف هناك، وسُجّل بيع أكثر من مؤسسة مصرفية مملوكة كلياً أو جزئياً من المصارف أو من مصرفيين لبنانيين، بصفقات بلغت نحو ملياري دولار تقريباً، إستُخدمت لتعزيز الموجودات الخارجية للمصارف، وزيادة رأس مالها. كذلك سعت المصارف الى عملية تقليص تدريجي لعدد فروعها في لبنان، وخفضت عديد موظفيها، هادفة من هذه الخطوة الى تحجيم المصاريف، وعصر النفقات، والإستعداد تالياً لتلقّي الصدمة الثانية الآتية حتماً مع قانون إعادة هيكلة المصارف العتيد، وما سيرتّبه من أعباء جديدة، وقيود في الحركة والاستثمار، وتحميلها جزء كبير من الخسائر المزمع توزيع أعبائها بين الدولة ومصرف لبنان، ومن سيتبقى ربما من “دُرَّة” الاقتصاد اللبناني.




في تاريخه، شهد القطاع المصرفي 3 أزمات حادة كان ضحيتها عدد كبير من الموظفين. الاولى عام 1967 وهي أزمة بنك انترا وما رافقها من إفلاس لـ 7 مصارف وتسريح لعدد من الموظفين. الثانية انفجرت في أواخر الثمانينات وتحديداً بعد “حرب التحرير” عندما أفلس عدد لا يستهان به من المصارف، وصرف نحو أكثر من 1500 موظف، وحينذاك لم يحصل الموظفون على تعويضات بل طُبّق عليهم القانون 2/67. أما ثالثة هذه الأزمات فهي تلك التي بدأت في العام 2019 ولا تزال مستمرة حتى اليوم. هذه الازمات أضاء عليها رئيس اتحاد نقابات موظفي المصارف جورج الحاج، بَيد أنه اعتبر أن عام 2021 هو من اصعب الاعوام على موظفي المصارف. وعلى رغم غياب الاحصاءات، قدّر الحاج عدد المصروفين بنحو 4500 موظف، وهو مرشح للارتفاع في المستقبل القريب وفق ما يقول: “نحن في خضم العاصفة، والأزمة الأخطر ستقع حين يتوصل لبنان إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي بشأن عملية إعادة هيكلة القطاع المصرفي. وحينها السؤال عن عدد المصارف التي ستبقى في السوق وعدد الموظفين الذين سيصار الى الاستغناء عنهم”.

وفق احصاءات مصرفية كان عدد الموظفين قبل الازمة الأخيرة يقدّر بـ 24886 موظفا يعملون في 61 مصرفا (بما فيها مصارف الاستثمار). ولكن منذ بداية الازمة، فقد القطاع أكثر من 17% من قوته العاملة.

ومن جهة أخرى، تشير الاحصاءات ايضا الى أنه قبل اندلاع الأزمة في العام 2019، كان عدد فروع المصارف يقدّر بنحو 1060 فرعا. لكنه انخفض الى 965 حتى آذار 2021، بما يعني ان ما نسبته 10% من الفروع اقفلت، فيما يقدّر البعض اغلاق ما بين 300 و400 فرع مصرفي حتى تاريخه.

اتفاقات لم تنفّذ؟

تتنوع مبررات المصارف لعمليات الصرف ومحفّزاتها، إذ يقدم عدد من المصارف مجموعة من الحوافز للموظفين لتشجيعهم على الاستقالة الطوعية. ووفق الحاج فإنه مع بداية الازمة، طلب اتحاد نقابات موظفي المصارف من ادارات المصارف تطبيق الفقرة “واو” من المادة 50 التي تعطي المؤسسة حق فسخ عقود العمل، ولكن بعد التشاور مع وزارة العمل على قيمة التعويضات، كما يتعين على المصرف أن يعد لائحة بأسماء المصروفين، على أن لا يبلغهم بقرار الصرف الا بعد التوافق مع الوزارة. وتوازيا بادر الاتحاد الى صياغة اتفاقية تراعي الاوضاع المعيشية، لكن للاسف لم توافق المصارف على هذا المقترح. وتقضي الاتفاقية بأن “يتلقى الموظفون المسرّحون تعويضا يعادل راتب 18 شهرا، اضافة إلى مكافأة قدرها راتب شهرين عن كل سنة عمل حتى 6 سنوات، وراتب شهر ونصف شهر عن كل سنة عمل لأولئك الذين خدموا ما بين 6 سنوات و12 سنة، وراتب شهر واحد عن كل سنة عمل لأولئك الذين خدموا ما بين 12 عاما و44 عاما”. مع ذلك، اختارت بعض المصارف تعويض موظفيها براتب 24 شهرا، اضافة إلى حوافز أخرى، وذلك لتجنب الدعاوى القضائية من الموظفين المسرّحين.
ويوضح الحاج أن “مصارف عدة التزمت مبدأ ابلاغ وزارة العمل، أما في مسألة التعويضات، فتم التفاوض على اتفاقات جديدة، ولكن التعويضات لم تصل الى القيمة التي كنا قد توافقنا عليها في الاتفاق الاول”.

وبحسب دراسة لجمعية مصارف لبنان، بلغ متوسط الراتب الاساسي للموظف عام 2019 ما قيمته 3.4 ملايين ليرة تُدفع 16 شهرا (مقابل 3.2 ملايين ليرة في العام 2018) اي نحو 2256 دولارا على سعر 1507 ليرات للدولار الواحد، أما حاليا فيعادل 170 دولارا على سعر صرف 20 ألف ليرة للدولار الواحد. لذا تعمد معظم إدارات المصارف الى اعانة موظفيها بمنح شهرية تراوح ما بين نصف راتب أو راتب شهر كامل، الى حين بتّ تصحيح الأجور رسميا.
وفي الانتظار، علمت “النهار” أن مجلس ادارة جمعية المصارف ابلغ اتحاد نقابات الموظفين استعداده لمباشرة المفاوضات لتجديد عقد العمل الجماعي، وسيتناول التفاوض النقاط الاساسية الآتية: تصحيح الرواتب في ظل انهيار سعر صرف الليرة، تعويضات الصرف من الخدمة في ضوء الاقفال المتزايد للفروع، والاستغناء عن أعداد متزايدة من الموظفين، منح التعليم المدفوعة للمدارس والجامعات، وتعويض بدل النقل.

اجراءات متوقعة…

على مقلب ادارات المصارف، لا يستغرب مرجع مصرفي الإجراءات التقشفية التي يتخذها أهل القطاع على خلفية تراجع مداخيل المصارف بشكل كبير، ووقف التدفقات النقدية من الخارج والتسليفات، وجفاف الودائع الجديدة وغيره، بما دفعهم الى خفض الكلفة التشغيلية الى الحدود الدنيا، بغية الحد من الخسائر التي تتنامى سنة تلو اخرى، لتعزيز إمكانات الصمود للبقاء في السوق، والحفاظ على ما تبقّى من ملاءات وحقوق للمساهمين والمودعين على حدٍّ سواء، وقيمة سوقية للمؤسسات المصرفية. لذا جاء إقفال بعض الفروع، وتسريح قسم غير قليل من الموظفين، والإستغناء عن الكثير من المباني ودمج المكاتب وتقليص المساحات العقارية المستعملة مع ما ترتبه من خدمات، ضمن هذا السياق.

ويبدو ان القطاع يتخوف من قرار توزيع الخسائر، إذ يؤكد المرجع المصرفي نفسه أن “في امكان القطاع المصرفي من خلال الرساميل التي لا تزال متوافر لديه (نحو 17 مليار دولار) تحمّل خسائر اليوروبوندز وخسائر زبائنه التجاريين بحيث يبقى لديه ما بين 6 و8 مليارات دولار، فيما “المصيبة الفعلية” تكمن في تحميل المصارف خسائر مصرف لبنان. فإذا كان القرار يقضي بتحميلها 10% فذلك يعادل 8 مليارات دولار، أما اذا كان القرار هو تحميلها 20%، فسيرتفع الرقم الى 16 مليار دولار، وفي حال وصلت النسبة الى 30% فستكون الكلفة نحو 24 مليار دولار. وهذه المبالغ تفوق رؤوس اموال المصارف. وإذ يكشف المرجع عن توجه الى تقسيط الخسائر على دفعات، يستبعد ان تقبل المصارف بتحميلها هذه الخسائر، “فمن دون تحقيق أرباح لن تتمكن من سداد المبلغ مع الوقت”. المرجع عينه يؤكد أن طرح توزيع الخسائر جدّي، لكن مقاربته لا تزال عمومية، مستندا الى ما قاله رئيس الحكومة نجيب ميقاتي في كلمته أمام المجلس الاقتصادي والاجتماعي حيث اوضح أنّ جميع الأطراف ستتحمل الخسائر، وأن المودع سيتحمل الحصة الاقل منها. وخلافا لذلك، يرى المرجع إياه أن المودع سيتكبد الجزء الأكبر من هذه الخسائر في حال حصل على وديعته بالليرة اللبنانية بدلا من الدولار، خصوصا ان لدى الدولة إمكانية طبع الليرة.

إلى ذلك كشف المرجع أن مصرف لبنان طلب من المصارف أن تكون لديها ميزانيتان، واحدة بـ”اللولار” واخرى بالفريش دولار، باعتبار ان المصارف التي لن تتمكن من تأمين رأس مال بالعملة الصعبة لن تستطيع البقاء في السوق. لكن المرجع يعتبر في الوقت عينه أن الخروج من السوق ليس الحلّ الناجع، ولا الدمج ايضا، مستعيناً بالمثل الإنكليزي القائل “two chicken don’t make an eagle” (دجاجتان لا تكوّنان نسراً)، ليخلص الى القول: “إن جميع المصارف متساوية في المصيبة، ولديها زبون: لديها كلها زبون واحد سيئ، هو الدولة ومصرف لبنان”.