ماذا لو انسحب الحريري من الحياة السياسية؟

روزانا بومنصف – النهار

مع مطلع السنة المقبلة تحلّ الذكرى الثلاثون لدخول الرئيس الشهيد #رفيق الحريري العمل السياسي في لبنان من بابه العريض، فيما تسري أنباء تفيد بعدم رغبة نجله الرئيس #سعد الحريري في خوض الانتخابات النيابية في الربيع المقبل، مهما كان موعدها المتصارَع عليه حتى الآن. يتعاطى البعض مع هذه الأنباء بشكوك كبيرة حتى الآن من زاوية احتمال أن تكون مناورة تتّصل بحشد الدعم فيما الاتصالات الداخلية تضرب مواعيد لعودة الحريري إلى لبنان الذي غادره فور تكليف الرئيس نجيب ميقاتي تأليف الحكومة، بين أسبوع وآخر. هذا البعض يرفض التعاطي مع هذا الاحتمال من زاوية التأكيد أنه “لا يحق” للرئيس الحريري عدم خوض الانتخابات النيابية، للتداعيات السلبية الكثيرة التي يتركها على الساحة السنّية باعتبار أنه يُفقدها العمود الفقري الذي تستند إليه هذه الطائفة، فيما يشكّل تيّار المستقبل الذي أسّسه الحريري الأب نقطة الاستقطاب التي شدّت الطائفة السنّية إلى حضور قويّ ووازن وفاعل في الساحة السياسية اللبنانية. ولا يحق للرئيس الحريري عدم خوض الانتخابات على المستوى الشخصي بحسب هذا البعض، لأن الطائفة السنّية ستُصاب بنكسة قويّة تبعاً لمجموعة استهدافات طاولتها منذ اغتيال الحريري الأب وعلى طول تاريخ الحريري الابن على نحو لم يتوقف حتى الآن، وكان هو بمواصلته إرث والده، على رغم ما شاب مسيرته من عثرات وأخطاء يتحمّل الكثير منها ويتحمّل الكثير الكثير الآخر منها في المقابل الحلفاءُ والخصوم على حدّ سواء، عنوان صمودها واستمراريتها على رغم الاغتيالات والاستهدافات التي يعتبرها هذا البعض استكمالاً للاستهداف الذي تتعرّض له الطائفة السنّية في بعض دول الجوار. ولكن قد يحمل عدم الترشّح شخصياً، وقيادة عملية خوض تيّار المستقبل الانتخابات بمختلف مرشّحيه في المناطق وطبيعة نسج التحالفات، بعض العزاء لجهة أنّ بعض السياسيين قادة الأحزاب والتيّارات يفعلون ذلك تاركين غالباً لورثتهم السياسيين مهمّة استكمال الانخراط السياسي المباشر.




لكن الاحتمال الثالث الذي قد لا يكون بعيداً عن منطق الأمور في هذه المرحلة الخطيرة جداً في تاريخ البلد، هو أن ينسحب الحريري من الحياة السياسية كلياً، انطلاقاً من رفضه خوض الانتخابات النيابية المقبلة. فهو أحد أبرز الزعماء السياسيين الذين أخذوا في الاعتبار، ولعلّه الوحيد بينهم على هذا الصعيد من تلقف انتفاضة اللبنانيين في ١٧ تشرين الأول ٢٠١٩ على قاعدة شعار “كلّن يعني كلّن”، أن الشعب اللبناني أضحى رافضاً للجميع بمن فيه زعامته هو، فقدّم استقالة حكومته على الفور وسعى في محاولته تأليف حكومة لاحقاً إلى مواءمة مواصفاتها مع تطلّعات الشعب، ولكنّ الفرقاء السياسيين رفضوا مجاراته ونحَوا في اتجاه حكومة يشهد لبنان أحد فصول تقييدها وتعطيلها في وقت أشدّ ما يكون لبنان في حاجة إليها.

بعض الأنباء تنبئ برغبة اعتماد الحريري هذا المسار، ربّما في ظلّ اليأس من إمكان إنقاذ لبنان وإعادته إلى السابق، وهو خبر من بين ما خبره في التجربة الحكومية الأخيرة مدى الانخراط الدولي إلى جانب لبنان وطبيعته ومحدوديته، فيما على المستوى الشخصي واجه ضغوطاً وتحدّيات تبدأ من انخراط المتحكّمين في السلطة في السعي إلى إنهاء موقع الرئاسة السنّية وإنهائه شخصياً، وتحميل الحريرية السياسية كلّ المعاصي، علماً بأن لبنان شهد، إبان تبوّؤ الرئيس الحريري الأب في مرحلة ما بعد الحرب، أكثر أيامه ازدهاراً على الصعيد العام وعلى الصعيد الفردي لكلّ لبناني، ولا تنتهي بدفع أخوي لتحدّي زعامته للطائفة السنّية ليست محسومة اتجاهاته أو طبيعته كلّياً. ويبكر هؤلاء في القول إن خوض الحريري الانتخابات سيؤمّن فوزه بما لا يقل عن ١٥ نائباً إن لم يكن أكثر من ذلك على رغم التردّي في أوضاع الأحزاب والقوى السياسية.

إلا أنه مهما تكن الأسباب، فإن انسحاب الحريري من الحياة السياسية يُخشى أن يكون له مفاعيل “زلزالية” أولاً لدى الطائفة السنّية التي عرفت قيادة واحدة وقادرة منذ انطلاق الحريري الأب في 1992 على رغم خرقها من اتّجاهات متعدّدة، بما في ذلك السعي إلى قضم زعامة الحريري الابن من محيطه بعد اغتيال الأب. وثانياً على المستوى الوطني عموماً، انطلاقاً من أن الحريرية شكّلت ركيزة مهمّة للتعاطي بين الطوائف، واخترقتها على نحو لا يتركها بعيداً من التداعيات البالغة السلبية في حال انسحاب الحريري من الحياة السياسية. فمع أن الأخير خرج أخيراً من محاولة تأليف الحكومة مثخناً بندوب عميقة من حلفائه السابقين في قوى ١٤ آذار بمقدار الطعنات التي تلقاها من خصومه، تحت عنوان تحميله على نحو لا يقبل المغفرة مسؤولية التسوية السياسية التي أتت بالعماد ميشال عون إلى السلطة، فإن هؤلاء الحلفاء قد يكونون أكثر من سيتلقون تداعيات انسحاب الحريري من الساحة السياسية، فيما يتم الاعتماد على الثقل السنّي الذي يشكّله في التحالفات الانتخابية أولاً وفي العمل السياسي ثانياً، بغضّ النظر عن الخلافات.

وفي انتظار جلاء قرار الحريري النهائي في هذا السياق، لا يختلف اثنان في أن احتمال انسحابه من المعركة الانتخابية كما من الحياة السياسية سيشكّل، على افتراض حصوله، الحدث الأشدّ خطورة ووقعاً وجذرية منذ ثلاثة عقود عرفها لبنان لأنه سيكون أقسى من تجربة إحباط المسيحيين في مطلع التسعينيات، نظراً إلى الفراغ الذي لن يكون ملؤه أمراً سهلاً أبداً في التوازن المختلّ أصلاً في ميزان القوى الداخلية لا فقط على المستوى السنّي وحده.

وهناك الخشية على الاعتدال السنّي الذي كانت الحريرية صنوه، وعلى التوازن الوطني على قاعدة اتفاق الطائف والمناصفة، وصولاً إلى التبعات الإقليمية في ظلّ الارتباط الذي بات عليه لبنان بمجموعة الأزمات في دول المحور الإيراني.