التخلي عن لبنان أم تحريره

فاروق يوسف – العرب

لبنان بلد منهَك ومنتهَك. مُحتَل بطريقة تبتز الوطني المقاوم بالسيادي الزائف، بحيث يبدو احتلاله كما لو أنه جزء من بنيته الطائفية التي يقوم عليها نظامه السياسي. فتعجب حين ترى أن حزب الله الذي اعترف زعيمه غير مرة بتبعيته لإيران يندد دائما بمَن يسميهم بأبناء السفارات ومَن يملكون خطوطا مفتوحة مع المحيط العربي.




وإذا ما كان حزب الله قد خطط ونجح في الوصول إلى أهدافه فإن ذلك النجاح يعد فشلا للآخرين الذين تقاعسوا وتكاسلوا وفاتهم القطار غير مرة ولم يتعلموا النهوض من النوم مبكرين. لم يستنجدوا إلا بعد أن وجدوا أنفسهم يقفون خارج الحلبة. صحيح أن هناك مَن حذّر من الخطر الذي ينطوي عليه عدم نزع سلاح حزب الله ولكنه لا يملك الجواب على سؤال من نوع، مَن ينزع سلاح حزب الله؟

لا تملك الدولة اللبنانية جوابا على ذلك السؤال وهي التي لا تملك جوابا على أي سؤال يواجهها مثل عقبة. تلك عقدة هي جزء من بنية الدولة الفاشلة التي لا تملك حلا لمشكلاتها وهي لذلك لا تملك حلا لمشكلات الشعب الذي تعجز عن تصريف أموره. كانت تلك الدولة تبحث عمَن يملكها ويسيرها ويضعها مؤقتا على طريق ما لتكون صالحة لتمثيل نفسها في المؤسسات الدولية.

لقد أُهدرت أموال تكفي لإقامة دولة مثالية في ذلك البلد الصغير في ملء جيوب زعماء طوائف تم استضعافها حتى غدت غير مرئية في ظل سطوع نجم حزب الله

عرف حزب الله كيف يتخطى الحدود التي تفصله عن الأعراف المتبعة في لبنان الطوائف فانتقل بخفة من الجانب العسكري إلى الجانب السياسي تحت مظلة المقاومة التي سبق لها وأن حظيت بمحبة وإعجاب كل اللبنانيين حتى في أشد مواقعها سخفا يوم تسببت بتدمير الجزء الأكبر من البنية التحتية للبنان وتهجير أكثر من ربع مليون لبناني من بيوتهم في حرب 2006 العدمية.

ما فعله حزب الله من أجل الإمساك بقرني الدولة اللبنانية كان مرئيا وتحت النظر. لم يفعل أي شيء في الخفاء. كان واضحا إلى الدرجة التي يمكن من خلالها توجيه الاتهام إلى الآخرين بالتواطؤ معه أو العمى الذي كان سببه الغرق في المصالح الشخصية بحيث لم يكن لبنان إلا سببا للحصول على المزيد من الأموال.

ولكن لبنان لم يضع بسبب المستثمرين المحليين وحدهم. فلأنه كان دائما ساحة لـ”حروب الآخرين” حسب غسان تويني فإن المستثمرين الخارجيين كانت لهم اليد الطولى في رسم مصيره. حتى أن الكثير من اللبنانيين صاروا ينظرون إلى بلادهم من خلال عيون أولئك الآخرين. إنها بلاد الآخرين الذين ينتظرون الهبات.

لذلك يمكن القول إن العلاقة بالخارج لم تكن سوية. فهي لم تبن على أساس ما يصب في منفعة لبنان الدولة التي يجب أن تكون أقوى من الطوائف. كانت الدولة هي الحلقة الأضعف دائما. لذلك لم يكن الخارج معنيا بها إلا في مناسبات ضيقة، هي المناسبات البروتوكولية. أما خارج ذلك فقد كان التعامل محصورا بجهات احتكرت التمثيل الطائفي وهي في حقيقتها مجرد عناوين عائلية صارت جزءا من الفلكلور اللبناني الذي غيب الحياة الحقة التي يعيشها المواطنون.

لقد نسي أصدقاء لبنان من العرب خاصة وهم الذين ينبغي أن يكونوا الأقرب إلى جوهر المعاناة الشعبية الدولة اللبنانية في حمى رغبتهم في مساعدة لبنان وتصحيح أخطائه والأخذ بيده وسط الألغام. اهتموا بكل صغيرة وكبيرة من غير أن تمتد يدهم إلى الدولة التي ظلت عاجزة عن القيام بدورها الوطني ولم تغادر قفص التناحر الطائفي أبدا.

فضل أولئك الأصدقاء التعامل مع الأفراد وكانوا رموزا لطوائفهم بدلا من أن يتعاملوا مع الدولة التي اعتبروها كيانا ميؤوسا منه بسبب غشية نظرية حزب الله التي تقول بأن الدولة اللبنانية هي مجموعة الأبخرة التي تتصاعد من ثرثرات الطوائف عليهم.

إذا ما كان حزب الله قد خطط ونجح في الوصول إلى أهدافه فإن ذلك النجاح يعد فشلا للآخرين الذين تقاعسوا وتكاسلوا وفاتهم القطار غير مرة ولم يتعلموا النهوض من النوم مبكرين

لقد أُهدرت أموال تكفي لإقامة دولة مثالية في ذلك البلد الصغير في ملء جيوب زعماء طوائف تم استضعافها حتى غدت غير مرئية في ظل سطوع نجم حزب الله الذي يستند إلى مشروع إيراني واضح فيما كانت الأحزاب والفاعليات اللبنانية الأخرى تتخبط في المياه العكرة التي غرقت بها هبات الأصدقاء من غير أن يكون لها أثر على الواقع. لقد تبخرت كل الأموال التي قُدمت تحت شعار مساعدة لبنان ولم يكن هناك مشروع سياسي واضح تستند إليه.

لم تنفق إيران ما أنفقه الآخرون في لبنان. الخطأ يكمن في غياب المشروع. أما التخلي عن لبنان وهو في أمس الحاجة إلى مَن يحميه من فظاظة ورثاثة وتفاهة وانحطاط وفساد فهو خطوة يمكن أن توسع من حجم الانهيار الشامل.

في حقيقته فإن لبنان في حاجة إلى مشروع يحرره من شبهة حزب الله. علينا ألّا ننفض أيدينا من لبنان كما لو أننا خسرنا حربا. لبنان هو سؤال المشروع العربي المفقود.