الأب #منصور_لبكي مُداناً.. الثالوث يترنّح

تتخذ قضية الأب منصور لبكي شكل مُثلّث. في الزاوية العليا، ترتسم صورة فسيفسائية متخيّلة، لضحايا بالعشرات، بينهن سيليست عقيقي، ابنة أخت الكاهن المُدان بأقوى الأدلة، حسبما بيّنت المحكمة الفرنسية التي أصدرت حكمها عليه، غيابياً، بالسجن 15 عاماً. ومن هؤلاء العشرات، 27 فقط قُدّمت شكاويهم/ن للمحكمة الفرنسية، سقط الكثير منها بالتقادُم، لتبقى ثلاث شكاوى خرج على أساسها الحُكم التاريخي. والعدد الفعلي للضحايا أكبر بكثير، نظراً لسنوات طويلة قضاها لبكي في “الخدمة”. عدد أكبر بكثير، سَكَت أو أُسكِت، عاراً أو ترهيباً أو تهديداً أو ضغطاً مُحكَماً، كما يحدث دائماً في لبنان، في كل جريمة، وكل استحقاق. لكن الصورة التي قد تركّبها أذهاننا في أعلى الهرم، ستبقى غالباً بلا وجوه وبلا أسماء، وتكاد الجريئة سيليست تكون الوحيدة المرئية. ليس بسبب الطبيعة القانونية والحقوقية التي تحمي خصوصية الضحايا فحسب. بل أيضاً لأن سِمة المظلوم، الذي يُحرَم من العدالة في أرضه ومكانه وبين ناسه، أو ينالها محدودةً في قالبها المعنوي دون التنفيذي، يظل جزء من إنسانيته ضائعاً، مهشّماً.

وفي إحدى زاويتي القاعدة لمثلث الرعب، ترتسم صورة الكاهن الماروني. صُوره المتوافرة للعموم قليلة، لكن واحدة تبدو المرشحة الأبرز للمقعد السفليّ. تلك التي يؤشر فيها بكلتا يديه وكأنه يُطبق على رقبة، وقد فاضت أوداجه عن ياقة الكهنوت السوداء، وثبُتت شفتاه وسط كلمة، بل في خضم صَوتٍ دَغليٍّ ما.




وفي الزاوية القاعدية المُقابلة، صورة الأسقف الفرنسي، إريك دومولان بوفور، الذي ركع، قبل أيام، على درج كنيسة لورد، معتذراً، نادماً، طالباً غفران 216 ألف طفل(ة) ومراهق(ة) هم ضحايا اعتداءات جنسية موثقة في الكنيسة الكاثوليكية الفرنسية بين العامين 1950 و2020… عقود طويلة من النضال والتضحيات والآلام، جلجلة مدنية، أفضت في النهاية إلى ما يمكن أن يؤسس عليه لمساءلة ومعاقبة وإنصاف، على الأرض، قبل السماء، وربما رغماً عنها. كان ذلك خلال اجتماع 120 أسقف فرنسي نطقوا بـ”الاعتراف بمسؤولية الكنيسة كمؤسسة” عن أعمال العنف الجنسية التي لحقت بآلاف الضحايا، وأقرّوا بـ”البُعد المعمّم” لهذه الجرائم. الأساقفة المجتمعون، الذين وقفوا مع كهنة ومدنيين في ساحة للكشف عن نصب اعتذاري يمثّل رأس طفل باكٍ، لم يرتدوا أزياءهم الكهنوتية بناءً على طلب الناجين من العنف الجنسي. مجدداً: “الكنيسة كمؤسسة”، “البُعد المعمّم”، ومراعاة مشاعر الضحايا حتى في اللباس، فيما “الطفل الباكي” سيبقى لأجيال شاهداً وعلامة تضاهي “الطفل في المغارة” أو حتى تتجاوزه، ولو فقط بالعدالة، بل بالعدالة وكفى.

الأب اللبناني المُدان، من الفاتيكان ومن محكمة مدنية فرنسية على حد سواء، والصادرة بحقه مذكرة توقيف منذ العام 2016 لم تنفذها الدولة اللبنانية، يمكث الآن في أحد أديرة برمانا. مكان ذو رِفعة، يلفّه السكون ومشهد طبيعي خلاب، والأرجح أنه مخدوم بأفضل ما يكون (بأيدي رهبان وراهبات قد يجد المرء نفسه في موقع الخشية عليهم/ن). هناك، يقضي الرجل، الحكمَ الوحيد المنفّذ بحقه في لبنان العِصمَة والحصانات والجرائم المفتوحة على التجهيل أو كباش المحرقة. هو الحكم الكنسي بـ”حياة من الصلاة والتكفير عن الذنب، مع حظر أي اتصال بقاصرين والحرمان من المناصب الكنسية ومن إحياء القداديس والظهور الإعلامي”. وفي خلال تجزية لبكي عُزلته التأملية هذه، التكفيرية السجنيّة بخمس نجوم، لعل قريحته فاضت بألحان جديدة دوّنها وراح يترنّم بها فيما تتراءى له جوقات القاصرين تنشدها. أما المؤكد فهو أنه كتب نصوصاً وألّف مشاريع كتب، راح يرسلها مع مراسيل إلى نافذين في المؤسسة الكاثوليكية اللبنانية والعالمية، وتسرب بعضها في الإعلام والانترنت، كمحاولات إلهية ذات طبيعة بشرية، لتحسين صورته العامة وموقفه في القضية التي استمرت مجرياتها 10 سنوات طويلة مؤلمة طاعنة لضحاياه، حتى صدر الحكم الفرنسي أخيراً.

الأب اللبناني المُدان يتسبب في اختلال توازن الثالوث المغمّس طرفه بالجريمة المستوجبة عقاباً دنيوياً، لا الخطيئة المتروكة للرب. المثلث المُثقل بلا-عدالة كانت لتبدو كاتمة وقابضة.. لولا القضاء الفرنسي، ولولا أن بعض جرائمه اقترفها على أرض فرنسا فتمكنت محكمة فرنسية من إدانته والحكم عليه. لكن الرجل، كما مواطنيه من النواب والوزراء والرؤساء والضباط ورؤساء الأحزاب والمليشيويين، محميّ. بكل الصلافة والوقاحة اللبنانية المعروفة. رسمياً وشعبياً وكهنوتياً. محميٌّ ومُدافَع عنه: كرجُل، كرجُل دين، وبحصانة الطائفة في البلد حيث تتحلل كل قضية إلى مكوناتها الأولية، الجوهرانية، الهوياتية، الجماعاتية، الدودية.

المؤسسة الكاثوليكية عموماً، بما في ذلك الفرنسية، قد لا تكون أمثولة العدالة والحقوق، تاريخها ليس صنواً للشفافية والديموقراطية. سردية، على مدى قرون، تنضح بالذنوب والانتهاكات والاقترافات. لكن الدولة… الدولة شيء آخر. هو شيء من النظام الدولتي، ومنها القضاء، وقد تسرّب إلى المؤسسة الدينية في أمّة علمانية حتى النخاع مثل فرنسا، لكنها أيضاً، وفي جزء مُعتبر منها، كاثوليكية الهوى الاجتماعي والثقافي. “المؤسسة مسؤولة”، وليس مجرد كهنة أفراد. هذه خطوة أبعد، أقوى، أعمق. لم تأت بمعجزة، ولا تكاثرت كالسمك والنبيذ، ولا كانت عرساً مجانياً. وفي ظلها، الفرنسي تحديداً، تبدو الإدانة القضائية للكاهن اللبناني منصور لبكي متمتعةً بقدرة إضافية على تبريد بعض من حرقة القلوب ومنحها بعضاً من السلام. لكن الراحة لا تمسي ناجزة إلا حينما تتغير صورة لبكي في المثلث، ليبدو جاثياً على ركبتيه مثل ذاك الكاهن الفرنسي، معترفاً بذنبه، طالباً المغفرة، مرذولاً من كنيسته وأربابها ورعيتها، والأهم: مسجوناً 15 عاماً.

المدن