الساحات المخترَقة! – رامي الرّيس – نداء الوطن

الإختلال العميق في موازين القوى السياسيّة في الداخل اللبناني بات يُشكل إنحرافاً كبيراً في مسار الأحداث ويهدّد مستقبل البلاد بعواقب وخيمة، ونتائج خطيرة وكارثيّة على الصيغة اللبنانيّة برمتها وعلى التركيبة المجتمعيّة القائمة والتي تعكس معادلاتٍ دقيقة وحساسة.

إن القوّة الاستثنائيّة التي تتمتّع بها أطراف لبنانيّة معروفة الامتدادات الإقليميّة صارت تقف حجرة عثرة أمام قيام الدولة، فهي تصادر قرار الحرب والسلم وتكسر حصريّة وظيفة دفاع الدولة عن أراضيها وتحول دون مصالحة لبنان مع محيطه التقليدي، أي محيطه العربي.




قلما تكترث تلك الأطراف للنتائج السلبيّة التي تتولد عن سياساتها، فالمعيار وفق حساباتها ليس مصلحة الدولة ورفاهيّة شعبها، إنما إمتداد المشروع الإقليمي وتحقيق أهدافه و”نجاحاته” التي لا ترتبط حكماً بتطلعات الشعوب، إنما بتصدير المبادئ التي تعتنقها حتى ولو كانت على طرفي نقيض مع الواقع المحلي في الدول التي يتم التصدير إليها.

لبنان ليس الوحيد الذي يعيش هذه التجربة غير المتوازنة، ولكن بالنظر إلى هشاشة نظامه السياسي ولعنة ضعف الدولة تاريخيّاً وطبيعة تكوينه القائم على التعدديّة في مقابل الآحاديّات الاقليميّة؛ فإن القدرة على إختراقه والتغلغل في مكوناته تتيح تحقيق نتائج تفيد الأطراف المخترقة.

الدول الأخرى التي تتعرّض لضغوطات مشابهة باتت أشبه بساحاتٍ مفتوحة تنفذ من خلالها تنظيمات عسكريّة مسلحة تتحدّى سيادة الدولة وتستقوي عليها وتذهب بها إلى حيث تريد، غير آبهة بالمشاكل التي تتولد عن هذه السلوكيّات المنحرفة التي لا تراعي سوى مصالحها الفئويّة الخاصة.

إن كل الدول المخترَقة تعيش حروباً وصراعات ونزاعات مسلحة، وتفتقد شعوبها إلى أبسط مقومات العيش الكريم إذ تتوالد فيها الأزمات السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، نتيجة تخلّف الأنظمة السياسيّة وعدم قدرتها على مواكبة التطور من جهة، وعجزها عن تعزيز قدراتها التمثيليّة وتطبيق آليّات المحاسبة والمساءلة.

في الدول المخترَقة، تضمحلُ السلطات القضائيّة وتهتز هياكلها أمام قوى الأمر الواقع التي تنصّبُ نفسها فوق الدساتير والقوانين، فيصبح تطبيق العدالة إنتقائيّاً ما يسقط مقولة إن المواطنين سواسية أمام القانون، ويجعل مستويات القهر والغضب الصامت ترتفع وتتراكم وتتمظهر في أشكالٍ متنوعة ومتعددة، لكنها تبقى قاصرة عن أن تشكل حالة ضغط جماهيري يمهد لإنهاء حالة الخلل في موازين القوى.

إن جزءاً أساسيّاً من أسباب القصور تلك ترتبط مباشرة بسياسات قوى الأمر الواقع ودورها الفاعل في كم الأفواه والإقصاء الجسدي لمن يخالفون المسار السائد أو يحاولون، على الأقل، إثارة العناوين التي تصبُ أولاً وأخيراً في مشروع بناء الدولة المرتجاة.

المشكلة الجوهريّة تتمثل في أن الصدام مع هذا المشروع الاختراقي نتائجه كارثيّة، والسكوت عنه نتائجه مدمرة. في كلا الحالتين، خطوات القضم السياسي والأمني والقضائي تتلاحق تدريجيّاً، وبالتوازي، فإن أدوات المواجهة تتناقص بدورها تدريجيّاً. الخاسر الأول هو المواطن، والخاسر الأكبر هو الدولة بمفهومها وفكرتها ودورها ووظيفتها.

قد يقرأ البعض في هذا التوصيف الواقعي لمسار الأحداث السياسيّة يأساً وقنوطاً وتقهقراً. ولكن، في نهاية المطاف، ليس هناك من قوّة دامت إلى الأبد. الأباطرة الرومان الكبار كانوا يسيطرون على مساحاتٍ شاسعة من العالم، إلا أنهم في نهاية المطاف، كانوا يراعون شعب روما ومتطلباته، مهما بلغت سطوتهم ومهما إزداد جبروتهم.

الأباطرة الجدد لن يتمكنوا من السيطرة على كل مفاصل المجتمع والدولة والسلطة، ولو تمكنوا من تحقيق ذلك جزئيّاً ومرحليّاً، فإنهم لن ينجحوا في ذلك بصورة متواصلة ودائمة وأبديّة. النور سوف يظهر في نهاية النفق، فليس هناك من نفق لا نهاية له!