“الثنائية الشيعية” مصمّمة على إطاحة المحقّق العدلي البيطار… لماذا؟

سركيس نعوم – النهار

انفجار مرفأ بيروت يوم 4 آب 2020 أو تفجيره لم يعد التحقيق فيه مقتصراً على القضاء كما يحصل في الدول التي تحترم نفسها ولا سيما في العالم الأول حيث السيادة للقانون وحيث القضاء مستقل لا يتأثر بحزب أو برئيس جمهورية أو حكومة أو بدين أو طائفة أو مذهب. كما لم يعد محاطاً بسرية فعلية تبقى سارية الى أن يتوصل المحققون القضائيون سواء كانوا عدليين أو غير عدليين الى أدلة على المخطِّط والمنفِّذ والمسهِّل تسمح لهم بوضع قضاء ظني أو اتهامي، أو الى أن يفشلوا في التوصل الى أدلّة موثّقة فيطوون الملف ريثما تتوافر معطيات جديدة تسمح لهم بإعادة فتحه. علماً أن تجربة لبنان مع المجلس العدلي والقضايا المحالة عليه ومن زمان لم تكن ناجحة يوماً. الأدلة على ذلك كثيرة أبرزها ربما اغتيال أوّل رئيس جمهورية بعد الطائف الذي أُحيل على المجلس المذكور ونُسي هناك. يقول العارفون أن تحقيقاً قضائياً في شأنه لم يجرِ وأن ملفه فارغٌ من أي “ورقة” من الأدلة أيضاً تنحّي قضاة كلّفوا التحقيق في قضايا محالة الى المجلس العدلي عن هذه المهمة بطلب رسمي منهم الى السلطة المختصة بعدما شعروا أنهم عاجزون “عن الحفر في بئر أو آبار” الأدلة وعن العثور على البراهين سواء لعدم التعاون أو لخوف من دفع حياتهم ثمناً “لحشريتهم” بل للعمل الذي ناطه بهم القانون. وربما باستثناء قضية تفجير كنيسة سيدة النجاة عام 1994 التي اتُهمت بها “القوات اللبنانية” وقائدها سمير جعجع لا يتذكّر اللبنانيون أنهم تابعوا يوماً تحقيقات عدلية ثم انعقاد مجلس عدلي وإقدامه على إصدار أحكام في حق المذكور لمسؤوليته الأولى عن جرائم حصلت زمن حروب الـ15 سنة، وليس عن تفجير الكنيسة المذكورة أعلاه. إذ بُرِّئ منها وإن لعدم كفاية الأدلة. و”نجاح” المجلس العدلي في تلك المرّة اليتيمة في إجراء تحقيقات معمّقة ثم في إصدار قرار ظنّي واستجواب المتهمين والشهود أمام الرأي العام لم يكن دليلاً على استقلال القضاء وعلى صحّته في دولة لبنان، بل كان نتيجة قرارات سياسية محلية وغير محلية بإبعاد جعجع عن الساحة بسجنه إذا تعذّر إعدامه وبحلّ “قوّاته” وبتعطيل معارضتهما للوضع الذي كان ناشئاً في حينه. علماً أن الجرائم التي حُكم عليه بسببها كانت حصلت أيام الحرب وارتكب مثلها في ذلك الزمن رفاقه من قادة الميليشيات التي خاضوها. لكن العفو شملهم وكان يمكن أن يشمل جعجع أيضاً لولا هفوة قام بها هو أو من معه هي رفض العفو في ذلك الحين.




طبعاً هذه المقدمة الطويلة لا تعني أن المجلس العدلي المُحالة إليه قضية تفجير مرفأ بيروت أو انفجاره استمر في التقاعص المزمن الذي مارسه جرّاء عدم جدية الدولة في تلك المرحلة في الملاحقة لاعتبارات داخلية وخارجية. فالمحقق العدلي الأول الذي عُيّن للتحقيق في هذه الجريمة التي اعتبرها العالم التفجير الثالث من حيث الحجم والدمار الذي نتج منه رغم “تقليديته” بعد تفجيري هيروشيما وناكازاكي بقنابل نووية في الحرب العالمية الثانية. فهذا المحقّق واسمه فادي صوان عمل بجدّ واجتهاد لكنه على ما يبدو شكّل خطراً على جهات معيّنة فهُدّد على نحو غير مباشر وتنحّى. هذا على الأقل ما تكهنت به وسائل الاعلام في حينه. ثم عيّن مكانه القاضي #طارق البيطار محققاً عدلياً. وعمل بجدّ واجتهاد فأوقف مسؤولين إداريين وجمركيين كباراً في المرفأ. ثم بدأ “الدق” بسياسيين أي وزراء ونوّاب ورئيس حكومة وعسكريين ودعاهم الى الاستجواب ولكن ليس كشهود. أثارت نوعية المستدعين وخصوصاً من السياسيين ريبة فريق سياسي حزبي معيّن هو “الثنائية الشيعية” وحلفائها في طوائف أخرى. إذ اعتبرت أن التحقيق مسيّس وأنها مستهدفة وتحديداً “#حزب الله” أحد طرفيها. نشأ جرّاء ذلك نزاع سياسي وشعبي ورسمي إذ طالبت “الثنائية” بتغيير المحقّق وأصرّ أخصامها بل أعداؤها على استمراره. لكنها فشلت حتى الآن في تنحيته رغم استعمالها القضاء المسيّس والمتحزّب أصلاً والبعيد بغالبية كباره عن النزاهة، فصعّدت في السياسة وفي الشارع متسبّبة بتعطيل الحكومة وتوقّف مجالس الوزراء عن الانعقاد، ثم بإحياء جروح قديمة طائفية بين عين الرمانة والشياح، وكانتا جبهة عسكرية حربية مشتعلة طوال 15 سنة تقريباً. علماً أن الدولة تعطّلت قبل ذلك ومن زمان، وفشلت وانهار معظم مؤسّساتها وانقسم الباقي منها عملياً لا رسمياً. ترافق ذلك مع إقدام المملكة العربية السعودية وغالبية شقيقاتها في مجلس التعاون الخليجي على مقاطعة لبنان عقاباً له على سيره في ركاب “حزب الله” الذي تعتبره عدواً لها ينفّذ سياسة إيران المعادية لها أيضاً في لبنان واليمن والخليج ولا سيما في الاعلام، وفي “الإشتراك” بحرب اليمن التي تخوضها هي أي السعودية منذ 2015 ولكن من دون قدرة على حسمها حتى الآن.

لماذا هذه المقدمة الطويلة اليوم؟ هي توطئة لمحاولة “الموقف هذا النهار” معرفة الأسباب الفعلية لسلبية “حزب الله” وحلفائه تجاه المحقّق العدلي في تفجير المرفأ أو انفجاره الذي يتهمه أخصامه وأعداؤه اللبنانيون بالمسؤولية عنه جرّاء إمساكه بالبلاد على ما يقولون وبمعابره البرية والبحرية والجوية، واستخدامه ذلك للاستحصال على ما يحتاج إليه من أسلحة وذخائر ومكاسب مالية غير مشروعة في رأيهم. وتوطئة أيضاً لمعرفة المدى الذي سيبلغه في مواجهة ما يعتبر أنه يتعرّض له من أخصامه بل أعدائه في الداخل اللبناني الذين ترعاهم في رأيه الولايات المتحدة عدوته وعدوة مؤسسته وحليفته الإسراتيجية إيران. هدفها من ذلك التخلّص منه بخلق وضع لبناني معاد له ومنها بتكوين تحالف إقليمي معاد لها إذا استمرت في مغامرة تنفيذ مشروعها الإقليمي التوسّعي وفي إعاقة عدة أميركا والحياة الى الاتفاق النووي الموقّع معها. طبعاً ليس كاتب “الموقف هذا النهار” ساذجاً الى درجة الاعتقاد بأن ما سيحصل عليه من متابعي حركة “الحزب” في لبنان وخارجه سيكون شافياً ووافياً الى حد كبير. لكن ذلك لا يمنع إثارة هذا الموضوع في الإعلام بهدوء، ولا يمنع القاضي البيطار أو من يدعمه في القضاء أو في الوسط السياسي والديبلوماسي من الإدلاء بما يعرفون عن هذا الموضوع أو ببعض ما يعرفونه. و”الموقف هذا النهار” جاهز لنشر ما يرسلون إليه لا بل يرحّب كاتبه بذلك.

ما هي الأسباب الفعلية لمواقف “حزب الله” السلبية من القاضي البيطار وتحقيقاته؟