سمير عطا الله

الوفاء والولاء – سمير عطالله – النهار

صيف 2018 تلقيت، مع من تلقّى من صحافيين عرب، دعوة الى #القمة العربية العادية في نواكشوط. وبعثت برسالة اعتذار الى السيد وزير الاعلام. وأرفقت الاعتذار بمقال في هذا المكان أشرح فيه بكل نيّة طيّبة الاسباب. وكان السبب الأهم، ولا يزال، والأرجح انه سيبقى، اللا جدوى من لقاءات تتحول في الغالب الى استعراض للخلافات والنزاعات، بصرف النظر عن اهمية جدول الأعمال أو صدق بعض النيات.

كانت آخر قمة حضرتها في تونس. والسبب الأساسي آنذاك أنني لم اكن قد عرفت تونس من قبل، فوجدتها مناسبة لمشاهدة بلاد الحبيب بورقيبة، أرقى الجمهوريين العرب وأكثرهم إحساساً بأهمية الحياة المدنية، والمناضل الاستقلالي الذي قرر – مثل نهرو وغاندي في الهند – أن يستفيد في بلاده من حسنات المستَعِمر بعد التحرر منه.




الأكثر اهمية من كل ذلك أمران: الأول فرض التعليم الالزامي على التونسيين، والثاني أن سي الحبيب أمضى في الحكم سنوات طويلة جداً، وبقي من أنقى أكُف السياسة في العالم. وبعد تقاعده، استعاد شراء قطعة صغيرة من الكروم في المنستير، كان قد باعها خلال وجوده في الرئاسة لحاجته الى بعض المال. وحتماً من دون اي قصد أو تلاقٍ بين الاثنين، تبادل ديغول مع كاهن قرية كولومبي، قطعة من الأرض قرب منزله، لكي يوسّع الحديقة، حول البناء الصغير الذي اصبح الآن متحفاً لأمجد ساعات فرنسا التاريخية، خصوصاً في عفّة النفس والترفّع والضمير والاخلاق الوطنية والحفاظ على وحدة البلاد.

بعد صدور مقال الاعتذار عن قمة موريتانيا ذلك الأربعاء، انهالت الرسائل على بريد “النهار” الالكتروني، في لهجات عنيفة لا تشبه الموريتانيين. اعتقدت ان سيل الاعتراض سوف يتوقف في اليوم التالي، لكنه استمر في الثاني والثالث وما بعدهما. وباستثناء رسالة واحدة ردّ صاحبها على المهاجمين بالقول إنهم اساؤوا فهم ما كتبت، أجمع الباقون على شد العصب ضد المحبّر. ثم اتصل بي الزميل العزيز نبيل بو منصف يقول إن الحملة بلغت حداً غير مقبول بعدما كتب احدهم يتهمني بالزندقة. وكان جوابي ضاحكاً. عسى ان تكرهوا شيئاً وهو خير لكم. وقد اظهرت هذه الرسائل امراً غير متوقع، وإنْ يكن غير مفاجىء، وهو مدى انتشار “النهار” في ذلك البلد العربي الافريقي القصيّ، ولذا لا بد من ابقاء باب الرسائل مفتوحاً عملاً بمبدأ الحرية.

كنت اتابع قراءة الرسائل على بريد “النهار” ساعة بساعة. يخامرني دائماً الشعور بالمرارة من اساءة فهم المقال، والفرح المهني الغامض بأن لـ”النهار” ذلك الأثر الأدبي والنفسي في بلاد “المليون شاعر”. انقلب كل شيء فجأة الى خوف وامتعاض عندما فتحت البريد ذات صباح فوجدت فصلاً جديداً من الحملة وفيها رسالة يدعو صاحبها الى طرد الجالية اللبنانية من البلاد بسبب المقال. ومن دون أي تردد، أو تفكير، أو تأمّل أو تمهّل، سارعت على الفور الى كتابة اعتذار شديد من موريتانيا والموريتانيين، محملاً نفسي الخطأ، من دون اي تبرير، ومؤملاً النفس بأن يأتي يوم وتحلّ مناسبة اشرح فيها ما حدث.

طبعاً لم تكن الحكومة الموريتانية من الغضب بحيث تسارع فوراً الى طرد الجالية بناء على رسالة من مواطن. لكن ما يعني في الأمر ليس أن احزر ما سيكون عليه موقف الحكومة الموريتانية، بل واجبي في الاعتذار عما تسببتُ به. والواجب الأهم حيال جالية وطنية مهما كان حجمها. وليس لي أو لغيري ان يُفسد عليها هناء الإقامة وسلامة العمل. ولا كان ممكناً في اي لحظة من اللحظات أن اربط بين كرامتي وبين الشعور بأنني تركت في نفوس اللبنانيين المقيمين في نواكشوط حرقة دائمة.

بعد الاعتذار، توقفت الحملة على الفور. وربما احدث ذلك خيبة لدى فرسانها الفرحين برفع السيوف استنكاراً لخطأ غير مقصود على الاطلاق. اشكر الوزير #جورج قرداحي لأنه منحني الفرصة التي كنت انتظرها. لا شَبه اطلاقاً بين موقفه وموقفي، أو ازمته وازمتي. العنصر الوحيد في المشابهة هو كيف يجب ان تنظر الى اوضاع المغتربين، وديونهم علينا، وواجباتنا حيالهم. ولا يحق لفرد، أو حتى لجماعة، ان تسيء الى امان المغترب في وطنه المختار وإلى القواعد والمفاهيم والقوانين في تلك الحواضن.

يتحول المغتربون بعد فترة الى مواطنين طبيعيين. ويشاركون في الحياة السياسية في تلك الديار، معارضة او موالاة، يساراً أو يميناً. وهذا امر مختلف تماماً وحقٌ يُكتسب مع مرور العقود والعهود. إنهم يفعلون ذلك بعدما اصبحوا مواطنين هناك ولم يعودوا مواطنين هنا. وليس للذين بقوا في الوطن الأم، مكرهين او مقهورين، ان يتعاطوا في سياسات البلدان المضيفة، وأن يتعدّوا على حساسيات تلك البلدان وكرامات شعوبها ومشاعر اهلها.
جميعنا نعرف ان ثمة ملابسات ووقائع لا نعرفها في قضية الوزير قرداحي. وبالتالي، فإن القرار في هذه الأزمة الكثيرة التشعب، يظل قراره وحده، وليس قرار الكتلة التي يمثلها. فالأزمة سوف تحمل اسمه فقط، والموقف حيال المغتربين سوف يُسجّل عليه وحده ايضاً. وأما تفسير الكرامة والسيادة، فمسألة أغلى بكثير من ان ترتبط بفرد او جماعة. إنها تذكِّر بيوم كانت العرب في جاهليتها تتقاتل اربعين عاماً بسبب فرس أو حصان. أو بالحرب التي قامت بين جمهوريتي هندوراس والسالفادور بسبب كرة القدم. وكان لبنان قد عرف العام 1860 حرباً هائلة بين الموارنة والدروز قيل يومها ان شرارتها انطلقت بسبب خلاف بين اطفال من الفريقين. أما وليد جنبلاط فيقول دوماً، ان من يصدّق ذلك التأويل هو إما طفل، وإما طفل جاهل.

الأسماء في لبنان ليست اسماء الناس والاشياء. هناك حَوَل قديم ولا حُسن فيه. لذلك علينا تفسير الدستور والقانون والميثاق على نحو دستوري وقانوني وميثاقي. بل اصبحت جميعها موضع نزاع قائم على الحَوَل كشاهد. زال مفهوم المسؤولية وصار القاتل هو القتيل والمسبب هو البطل. ومرة أخرى اعود الى جملة الكوميدي الاسمر ديك غريغوري: “اعطوني المفتاح وغيّروا القفل”. اعطوا الرئيس نجيب ميقاتي ان يشكل حكومة منعوها اكثر من عام، ثم ارسلوا اليه وزراء للانقاذ يرون الخلاص الاقتصادي في طبخ الضفادع والغاء الحفاضات. كلاهما صحي ايضاً، وصديق للبيئة. وبدل جعل بيروت مركزاً للحوار الدولي، يجب جعلها مركزاً أممياً لحفظ البيئة، شرط المحافظة على كميات القمامة من اجل الكل. وتقول الكاتبة الروسية انه خلال مجاعة 1947 كانت القمامة هي الطعام الوحيد، لكن عائلتها لم يكن لديها حتى قمامة تأكل منها. وسبقت وزراءنا الى نظرية الحفاضات. كانت طفولة من دون ثياب داخلية. لكن السيادة والكرامة كانتا مؤمّنتين تماماً. والآن في انتظار الاصلاح.

لا تتجاوز معرفتي بالقانون، أو تبلغ، معرفة قارىء الجرائد العادي. لكنني اشعر بأنني شيء من بهيج تقي الدين ونصري المعلوف لكثرة ما تداولنا هذه الايام مصطلحات مثل الرد والدفوع والشكل ومجلس القضاة ومدعي عام التمييز، ويوم نقرأ ان القاضية عون تلاحق المرتكبين، ويوم آخر نقرأ انها تطارد القضاة وتتمرد على قراراتهم واحكامهم. صورتان تطالعان اللبناني كل يوم، ساعة يصبح على خير وساعة يمسي على خير، وساعة يقترض من جاره “ربطة خبز”، تلك الربطة التي أبكت وزير الاقتصاد السابق الذي بكى جاهشاً جهشاناً على الانجازات وربطة السيلوفان.

بدل الوزير الذي بكى عند ساعة المغادرة، يرفض الوزير قرداحي التخلي عن وزارة الاعلام بأي ثمن. وكان زميله في الثورة الفرنسية اونوريه ميرابو قد قال في الجمعية الوطنية: “نحن هنا بارادة الشعب ولن نخرج إلا على أسنّة الحراب”. مشكلة ميرابو، التي بقيت من دون حل، خيّرته بين ولاءين: الملكة التي تقدم له سحر المال، والثورة التي تؤمن سحر السلطة، كأن تقول سحر الملايين وشهرة الحوثيين.