الخضوع لميليشيا «حزب الله» ليس توازناً – نديم قطيش – الشرق الأوسط

حبذا لو يسعفنا رئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي بالكف عن أوهام البيانات البطولية، أو محاولات التوازن اليائسة.

فلا قدح «نهج التفرّد والتعطيل» ولا ذم محاولات البعض «فرض رأيه بقوة التعطيل والتصعيد الكلامي على المنابر»، قادر على تعديل الوقائع الموضوعية التي تميز الواقع السياسي في لبنان الآن، وهو أنه جمهورية «حزب الله» بالتمام والكمال.




فمن ارتضى تشكيل حكومة ميليشيا «حزب الله»، كان الأولى به أن يعرف، وهو يعرف، أن هذه الحكومة ستتعطل عند الامتحان الأول الذي يتعارض مع مصالح وتصور الميليشيا. انطلقت الحكومة على وقع قوافل المازوت المهرب من إيران عبر سوريا، وتعطلت بسبب إصرار حسن نصر الله على إقصاء القاضي طارق البيطار المولّج التحقيق في انفجار مرفأ بيروت، وكادت تنفجر، ولا تزال مهددة، بعد تصريحات الوزير جورج قرداحي عن «العدوان السعودي – الإماراتي على اليمن»!

خطورة كلام الرئيس نجيب ميقاتي، العالي السقف، أنه يعطي الوهم بتوازن زائف في لبنان، لا سيما حين يقول في مطلع كلمته التي كانت موضع احتفاء غريب عجيب في بعض الصحافة اللبنانية:

«عندما شكّلنا هذه الحكومة بعد أشهر من التعطيل والتأخير وإضاعة الفرص، أعلنا أننا قادمون في مهمة إنقاذية سريعة تضع البلد مجدداً على سكة التعافي وتطلق ورشة النهوض بالتعاون مع الجهات الدولية وصندوق النقد الدولي».

أليست هذه هي نفسها المقدمات التي مهدت للتسوية الرئاسية مع «حزب الله» عام 2016 وانتهت بالجنرال ميشال عون رئيساً للجمهورية؟
ألم تتبدد خمس سنوات من عمر رئاسة عون واللبنانيون ينتظرون «سكة التعافي… وورشة النهوض»؟

إن التوازنات التي حكمت جلّ عهد عون – نصر الله، مستمرة ولا تنفع معها أوهام التوازن السياسي داخل مؤسسات النظام، وهي غير قادرة على التعبير عن نفسها بأكثر من بيان معسول الكلام مسكوب العبارة متين الحجة، ولكنه فاقد القدرة السياسية بالكامل.

حقيقة الأمر، أن التوازن في لبنان انكسر منذ السابع من مايو (أيار) 2008، حين قرر «حزب الله» توظيف سلاحه علناً في الحياة السياسية اللبنانية، وفرض رأيه بمنطق البلطجة وأدخل تعديلات على الدستور اللبناني عبر ملحق «اتفاق الدوحة» الذي وضع معايير لتشكيل الحكومات في لبنان لا تتفق مع منطوق الدستور. ثم عاد ووظّف وهج السلاح «ودروسه المستقاة» مرتين أساسيتين. الأولى حين فرض خروج الرئيس سعد الحريري من الحكومة، بعد فوز الأخير وحلفائه بانتخابات 2009 البرلمانية، وشكّل حكومة نجيب ميقاتي الثانية. ومرة أخرى حين عطّل المؤسسات الدستورية مدة سنتين ونصف السنة قبل أن يرضخ الجميع لإرادته ويقبلوا بانتخاب عون رئيساً للجمهورية.

أوهام التوازن التي تستثيرها بيانات كبيان الرئيس ميقاتي الأخير، تغشي على هذه الحقائق وتزيف الواقع وتخلق مناخات ملائمة لـ«حزب الله» لأن يسقط عن نفسه تهمة احتلال لبنان سياسياً، وهو ما ترفض المملكة العربية السعودية ودول خليجية الوقوع فيه عبر مواقفها الأخيرة.
آن الأوان للاعتراف بأن كل توازن مصطنع من داخل مؤسسات النظام السياسي هو وهم خالص، ومحاولات جرّبت المرة تلو الأخرى من دون أن تأتي أكلها.

لا يعني هذا الكلام أن التوازن مع ميليشيا «حزب الله» أمر غير ممكن في لبنان اليوم، بل يعني أن التوازن الفعال يجب أن يتخذ مواصفات أخرى وتشكيلات سياسية أكثر إبداعاً وجرأة. ‏ويكون التجرؤ الأول في العزوف عن المشاركة في أي حكومة من حكومات «حزب الله»، بل أن يترك الحزب ليحكم لبنان وحده أو مع حلفائه، وألا يلعب الآخرون دور الغطاء له أو يكونوا مصدراً مقلقاً لمشروعيته الوطنية، التي لا يستطيع تحصيلها وحده أو مع حلفائه. كما ينبغي تجريم كل من يتجرأ أن يشكل رافعة سياسية لـ«حزب الله»، أياً تكون مواقفه أو علاقاته بدول الخليج، ومعنى ذلك أن من يشارك في فك عزلة «حزب الله» هو عضو فاعل مكتمل نصاب العضوية في صفوف ميليشيا مصنفة إرهابية، أكان وزيراً في حكومة شكلها «حزب الله» أو رئيساً لهذه الحكومة أو أي صفة أخرى.

‏فالتوازن الحقيقي الوحيد المتاح في وجه تغول ميليشيا «حزب الله» على الحياة الوطنية والسياسية والدستورية في لبنان هو التوازن الذي يقوم في وجهه خارج مؤسسات النظام السياسي، وتخلي النخبة السياسية عن دور المطية الذي تلعبه لصالحه.

هذا ما تثبته، ببساطة شديدة، وقائع التسويات السابقة كلها؛ فلا محاولات التوازن في وجه «حزب الله» من داخل الحكومة، ولا محاولات التوازن في وجهه من داخل البرلمان اللبناني، استطاعت أن تعطل قيد أنملة مشروعه للهيمنة على الدولة واستتباع النظام السياسي وتعطيل حيوية الحياة الوطنية.

المضحك المبكي في هذا السياق، أنه حين فاز خصوم «حزب الله» بالأغلبية البرلمانية لم يُسمح لهم بأن يحكموا، بل أجبروا على حكومة وحدة وطنية يمتلك «حزب الله» صاعق تفجيرها بيده عبر الثلث المعطل، وحين فاز «حزب الله» بالانتخابات، وكي لا يحكم وحده ويتحمل مسؤولية الحكم أجبر خصومه على الدخول معه في حكومة وحدة وطنية.

هذه دوامة آن الأوان لوقفها إذا كان ثمة من يريد أن يبقى في لبنان شيء يبنى عليه للمستقبل.

من المهم الانتباه إلى أن المقاطعة العربية للبنان التي تقودها المملكة العربية السعودية تحتاج إلى إضافة بعض العناصر السياسية لها كي لا تتحول إلى عقوبة جماعية للبنانيين، وكي تكون فرصة للتغيير الحقيقي والعميق في لبنان.

إن مشكلة «حزب الله» هي مشكلة إقليمية ودولية بقدر ما هي مشكلة لبنانية داخلية، ومسؤولية معالجتها هي مسؤولية لبنانية بقدر ما هي مسؤولية عربية ودولية.

بهذا المعنى، فإن التصعيد السعودي الأخير أعطى لبنان واللبنانيين فرصة لأن يحتل موضوعهم المسرح الدولي، وأن يجذب انتباه العواصم والسفارات وأجهزة المخابرات والإعلام والمعلقين إلى أن هذا البلد مختطف عملياً من ميليشيا مسلحة لا تمتلك مشروعاً وطنياً داخلياً، بل هي جزء من هندسة استراتيجية إيرانية ضمن مشروع عدواني توسعي في الشرق الأوسط.

وإذا كان من حوار مطلوب فهو حوار بين الحريصين على لبنان والحريصين على معالجة الأذى الذي ينطلق من لبنان ضد الدول العربية، والتفكير المشترك في كيفية مزاوجة الجهود المحلية والإقليمية والدولية لوضع إطار لحل أزمة احتلال «حزب الله» للبنان، يأخذ في عين الاعتبار حزمة القرارات الدولية التي تحكم لبنان القرار 1701 والقرار 1559 والتي جرى تجديد التأكيد عليها في مقدمة الوثائق الاقتصادية المتعلقة بمساعدة لبنان.