هل يدفع ميقاتي ثمن شهوة السلطة؟

سركيس نعوم – النهار

يعترف الكثيرون من اللبنانيّين أنّ الرئيس #نجيب ميقاتي ليس كسولاً مثل شخصيّات سياسيّة عدّة تنتمي إلى شعوب لبنان المختلفة على كلِّ شيء بعضها شغل موقع رئاسة الحكومة، وبعضها يطمح إلى شغله ولكن بجهد قوى إقليميّة أو دوليّة معنيّة بلبنان، وبعضها يطمح إلى الوصول إلى رئاسة الجمهوريّة ولكن بقرار حلفاء له محليّين وإقليميّين. وكل ما يفعله البعض الأخير هذا من أجل ذلك هو الاستمرار في “الإيمان” بسياسة هؤلاء وفي تغطيتهم عند اشتباكهم مع جهات لبنانيّة أخرى أو شعوب تختلف معهم على كلِّ شيء وتحاول تعطيل مُخطّطاتهم. ويعترف الكثيرون من اللبنانيّين أيضاً بقدرته على تجاوز الحلفاء بل الانقلاب عليهم من أجل التربُّع على كرسي رئاسة الحكومة وإن صارت “مُشلّعة” مثل كرسي رئاسة الجمهوريّة، وبقدرته على تدوير الزوايا وبمهارته في عدم الذهاب إلى الحدّ الأقصى سواء في الموالاة أو في المعارضة لأصحاب القرار الفعلي في البلاد. ويعترفون بأنّه يحاول إقناع هؤلاء بالتعاون معه وبالسماح له ببعض مواقف مخالفة وإن بخفر لسياساتهم الداخليّة والإقليميّة والدوليّة وذلك حرصاً على عدم إغضاب قاعدته الشعبيّة الطائفيّة – المذهبيّة. ويعترف الكثيرون من اللبنانيّين له أخيراً بأنّه “اشتغل” معركته لرئاسة الحكومة في الخارج الدولي المعني بلبنان (فرنسا – بريطانيا – الولايات المتحدة وإلى حدٍّ ما مصر والأردن وتركيا). لكنّ شغله هذا كان ناقصاً. والكلّ يعرفون أنّه لم ينجح في الحصول على تأييد معسكر عربي له تأييدٌ مهم عند غالبيّة شعوب لبنان باستثناء الشيعة المُمثّلين وبنسبة كبيرة جدّاً بثنائيّة “#حزب الله” و”حركة أمل”. هو يعرف طبعاً أنّ غياب التأييد المذكور يجعل حكومته معطوبة في ظلّ الحرب الشرسة الدائرة بين المعسكر العربي المُشار إليه و”حزب الله” المُمسك بلبنان رغم النفي غير المُقنع لذلك من قيادات له ومن إعلامه، والحليف له فيها أي لـ”الحزب” رئيس الجمهوريّة ميشال عون و”التيار الوطني الحر” الذي أسّسه وأورثه على حياته إلى صهره جبران باسيل. ويعرف في الوقت نفسه أنّ العطب سيناله شخصيّاً وسياسيّاً إذا واجهته في سرعة “اشتباكات” مقصودة أو عفويّة بين عرّاب حكومته الحاليّة وأعدائها في الداخل وعرّابهم في الخارج. وقد حصل هذا فعلاً بعد أسابيع من نيله الثقة جرّاء تطوّرات ثلاثة مُهمّة جعلت حكومته أو ستجعلها قريباً الحكومة الأسرع تأليفاً وحصولاً على الثقة منذ سنوات والأسرع تحوُّلاً حكومة تصريف أعمال رغم عدم استقالتها.




التطوّر الأوّل هو الاشتباك الذي حصل في آخر جلسة لمجلس الوزراء بسبب إصرار ممثّلي “الثنائيّة الشيعيّة” بقوّة وبضرب على الطاولة وعدم اعتراض حلفائها في الحكومة على تنحّي المُحقّق العدلي طارق البيطار في تفجير مرفأ بيروت أو انفجاره بذريعة أنّه مُنحاز أو… التطوّر الثاني كان تطوّر تظاهرة اعتراضيّة لـ”الثنائيّة الشيعيّة” على انحياز المُحقِّق المذكور إلى اشتباك ناريّ أعاد فتح جروح 1975 – 1990 الشياح – عين الرمانة التي لم تلتئم بعد، ثمّ استغلال ذلك من “الثنائيّة” وحليفيها المسيحيّين الرسمي والحزبي بالقضاء على منافسهما الرئيسي في الساحة المسيحيّة. التطوّر الثالث استغلال جهة ما موقف معادٍ للسعوديّة أطلقه وزير الإعلام جورج قرداحي قبل توزيره أجّج معارضتها بل رفضها للبنان الرسميّ المُنحاز في رأيها إلى إيران وحزبها فيه أي “حزب الله”، اللذين حوّلا لبنان قاعدة هجوم إعلامي عليها ومركز قيادة للحوثيّين الذين يحاربونها وتحاربهم في اليمن بدعم منهما. وهي تطوّرات غير سهلة الحلّ بعد المواقف العقابيّة السعوديّة وتمسُّك “الثنائيّة” بمواقفها المُعادية للمملكة.

كيف سيخرج الحاوي ميقاتي أو الذي يظنّ أنّه حاوي من هذه الأزمة المُثلّثة الكبيرة التي أصابت اللبنانيّين بالإحباط بل اليأس إذ قضت على الأمل وإن ضعيفاً الذي علّقوه على الخارج الدولي لتخفيف ما يواجهونه من مصاعب حياتيّة ومعيشيّة، ومن إذلال ومن جشع الحكّام والسياسيّين ومن الفساد، فضلاً عن إنهيار العملة الوطنيّة و”تبخُّر” الودائع في المصارف؟ لا أحد يعرف. ففرنسا العرّاب الأوّل لحكومته ستُعاود حضّ الأطراف السبعة الذين التقى رئيسها أمراءهم على طاولة مستديرة في “قصر الصنوبر” قبل أكثر من سنة على جعل الحكومة تعمل، وربّما ستعود إلى “بهدلتهم” كما فعلت سابقاً في حال تمنُّعهم عن ذلك. لكن يُخطئ من يظنّ أنّ فرنسا وحدها بل المعسكر الغربي كلّه وحلفاءه العرب قادرون على جعل الحكومة طبيعيّة وناشطة وساعية إلى تحقيق آمال اللبنانيّين. فذلك صعبٌ بل مستحيل قبل انتهاء المفاوضات غير المباشرة التي بدأت بين إيران الإسلاميّة والولايات المتّحدة في حضور شركاء أميركا في التوقيع على الاتفاق النووي عام 2015 إلى نهاية من اثنتين. الأولى عودة الثانية إلى الاتفاق وعودة إيران عن خروقاتها له التي زادت مخزونها النووي المُخصّب وبنسبة غير مسموح بها هي 60 في المئة، واستعدادها لاحقاً للبحث مع المجموعة الدوليّة 5 + 1 بالمشكلات الإقليميّة مثل سوريا واستطراداً لبنان والعراق، بل في نظام إقليميٍّ جديد للمنطقة فضلاً عن مشروعها الصاروخي الباليستي. أمّا النهاية الثانية فهي فشل المفاوضات التي ستُستأنف في التاسع والعشرين من الشهر الجاري. وذلك لا بُدّ أن يُصعِّد المواقف السياسيّة لكلّ الأطراف، وربّما يُمهِّد لحرب أميركيّة – إسرائيلية مشتركة على إيران تؤذي المنطقة كلّها.

في هذا المجال يقول مُتابع عربي على تواصل مع أطراف الصراع داخل لبنان وفي المنطقة: “أنّ “حزب الله” واستطراداً مؤسِّسته إيران تفوّقا عسكريّاً على اسرائيل وهذا واقع. لكنّ ربحهما على “البروتستانت” الأميركيّين أمرٌ مستحيل”! في ظلِّ الواقع المُفصَّل أعلاه لا يبقى أمام اللبنانيّين إلّا الانتظار. فإذا مارسوه بعقل وحكمة واسبعاد عن الفوضى والاقتتال يتمكّنون من انتظار الحلول الكبرى. لكنّ ذلك ليس من طبائع شعوبهم بعد 25 سنة حرباً عسكريّة و15 سنة حرباً سياسيّة ثمّ 16 سنة صراعاً مُتصاعداً بينهم دمَّر الدولة ومؤسّساتها وجعلها فاشلة وجعل وحدة شعوبها مستحيلة. يعني ذلك أنّ مصير لبنان واللبنانيّين سيتوقَّف على مصير المنطقة وصراعاتها والصراعات الدوليّة فيها وعليها ومن خلالها. وهو لن يكون مشرقاً ولا برّاقاً رغم أن مظاهر له قد تُغري أصحاب النفوس الضعيفة والمريضة وهي موجودة داخل كلِّ “شعوبه”. ويعني أيضاً أنّ ميقاتي البادئ باكراً فشل حكومته قد يدفع غالياً جدّاً ثمن تغلُّب شهوته إلى السلطة على هدوئه ورجاحة عقله وخصوصاً إذا حالت تطوّرات الداخل والخارج دون إجراء انتخابات نيابيّة وربّما لاحقاً انتخابات رئاسيّة.