بناءً على هذه الوقائع قرر ميقاتي “الصمود” ولم يستخدم مصطلح الاستقالة

ابراهيم بيرم – النهار

كان لافتاً ان رئيس الحكومة #نجيب ميقاتي ومنذ انفجار أزمة العلاقات بين الرياض وبيروت وما واكبها من سجالات سياسية، لم يستخدم اطلاقا في كل اطلالاته الاعلامية مصطلح “الاستقالة” ولم يلوّح قط بانه في وارد الخروج من المنصب الذي تولاه للمرة الثالثة قبل بضعة اسابيع.




صحيح ان ميقاتي اطلق سيلاً من المواقف يفصح في طياتها عن استيائه مما آلت اليه الامور والتطورات، متوجها الى الوزير جورج قرداحي بلغة ديبلوماسية طالبا منه تقدير الموقف، وهو ما يعني التقدم باستقالة طوعية تكون مدخلا لتصحيح الوضع. وصحيح ايضا ان الرجل اطلق “قفاز التحدي” في وجه “حزب الله” عندما جاهر باعتراضه الشديد على ادائه الذي عطل جلسات الحكومة بغية “انتزاع” مطلب ما (في اشارة الى قضية المحقق العدلي في انفجار مرفأ بيروت). الا ان الثابت ان ميقاتي بقي منذ بداية الازمة يمضي بخطى ثابتة تعتمد الاسس الآتية:

– إبداء الحرص الشديد على اعادة وصل ما انقطع مع السعودية، وانه ما زال رغم كل ما بلغه ينتظر ان تُفتح له ابواب عاصمتها.

– الحفاظ على الحكومة الحالية ولو بقيت في مربّع التعطيل، فهو يعرف ومكتبه السياسي غير الفضفاض ان انفراط عقد هذه الحكومة يعني ان الامور مندفعة باتجاه تعميق الازمة وفي اتجاه التدحرج نحو مزيد من الاهتراء في مؤسسات الدولة الواهنة اصلا، فضلاً عن ان فرص استيلاد حكومة سواها توشك ان تكون معدومة.

– تعميق حالات الانقسام بين المكونات السياسية والطائفية اللبنانية، ما يعني تقسيم المقسّم وتجزئة المجزّأ في شارع كل مكون طائفي.

قد يكون على قدر من الصحة ان يقال ان ميقاتي يدخل للمرة الثالثة الى السرايا الحكومية رئيساً للسلطة التنفيذية، لكنه يعرف ضمناً جسامة ما اقدم عليه طائعا ويعي حجم التحديات والازمات التي عليه ان يتحملها.

فهو، كما هو معلوم، أتى للمرة الاولى الى سدة هذا المنصب عنواناً لمرحلة انتقالية ليعبر فيها لبنان على صهوة هدنة سُمّيت “الاتفاق الرباعي” من زلزال ما بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري الى مرحلة وعد بالاستقرار خارج مظلة الوصاية السورية. لكنه كان اكثر جرأة وتحديا في العام 2011 لحظة قبِل خوض غمار التجربة بُعيد هزة سياسية تجسدت في اسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري ساعة دخل الى البيت الابيض وما تداعى عن هذا الحدث من غضبة سنية عارمة تُرجمت احتجاجات في شوارع بيروت وطرابلس وسواهما.

في حينه كان على ميقاتي ان يواجه، الى ذلك، مفاعيل وارتدادات اشتعال الحرب في الساحة السورية وما نجم عنها من تداعيات ومشاريع تصفية حسابات في الساحة اللبنانية المنقسمة على ذاتها والداخلة في اشتباكات وحروب صغيرة في طرابلس (حرب المحاور) والبقاع الشمالي القصيّ (أحداث عرسال والجرود) والجنوب (ظاهرة الشيخ احمد الاسير) في صيدا. وكان على ميقاتي ايضا ان يتحمل وزر “الاتهام” الصارخ والجاهز بانه يترأس حكومة “حزب الله”. وقد “صمد” الرجل طوال ما يقرب من عامين واجه خلالهما ما اعتبره البعض “اهوالا” زادتها تفاقما حرب السيارات المفخخة في الضاحية الجنوبية وسواها.

بعدها كان ثمة مَن يتوقع ويراهن ان يؤول ميقاتي المثخن بجراحات تلك التجربة الشاقة الى الظلال. لكنه ببراعة وفي ظل مرونة اكتسبها من فلسفته “الوسطية”، نجح بالعودة الى محطة سياسية محت صورة ما قبلها، اذ عاد رئيساً لكتلة نيابية طرابلسية مستقلة من اربعة نواب، ثم عاد من بوابة نادي رؤساء الحكومات السابقين الذي قام على عجل لدعم رئاسة الحكومة، ومتحملاً ما قيل عن هذا “النادي السياسي” انه انشئ ليكون ظلاً لإسناد زعامة الحريرية السياسية التي كانت قد بدأت تتعرض لحملة ضغوط داخلية وخارجية شديدة.

واكثر من ذلك كان اكثر جرأة في الانقلاب على صورته النمطية التي وضعه خصومه قسراً فيها وذلك عندما اعترض بصراحة على سلاح “حزب الله” مطالبا بتسليمه وسحبه لكي تستقيم الامور، متخليا بذلك، ولو في الشكل، عن علاقة معقولة ودافئة جمعته منذ زمن مع الحزب وسيده السيد حسن نصرالله.

والآن يعود ميقاتي الى اعلى منصب سنّي في رأس هرم السلطة في لبنان ولكن وسط ظروف واوضاع متحولة تماما ومفتوحة على التأزم في الداخل والاقليم، واحتدم المشهد اكثر بانفجار “الغضب السعودي” على نحو غير مسبوق في حدّته على لبنان وحكومته، وهو واقع ما بعده ليس كما قبله.

في البداية، ثمة من ذهب مباشرة في تخمينه الى حد الاستنتاج ان ميقاتي لن يقدر على الصمود هذه المرة، وان ثمة من الوقائع الصلبة الجاهزة (تعطيل جلسات مجلس الوزراء، أحداث الطيونة، ومن ثم تداعيات كلام وزير الاعلام جورج قرداحي …) ما توفر له خروجا آمناً من المنصب، وتاليا التحلل والتخفف من مسؤوليات وتداعيات تنوء بحملها اكتاف الرجال. ومع ذلك فان ثمة من بات يجنح الى الاعتقاد بان ميقاتي قرر المضي في رحلة التحدي والصمود والمواجهة لانها “فرصته التاريخية”، والعزوف عن الاستقالة في هذا التوقيت لأنها بمثابة “مقتلة” له وللجميع، ربما في مقدمهم الطائفة السنية، الى الثنائي الشيعي والساحة المسيحية بركنَيها، اضافة بطبيعة الحال الى الوضع المأزوم الموروث منذ نحو عامين.

في الاسبوعين المنصرمين خالف ميقاتي عادته المألوفة عبر التقنين في الرد الفوري او المتأخر على اتصالات الاعلاميين التي ترده على مدار الساعة، وهو ما اوحى بانه قرر الاعتصام بالصمت، مكتفيا بما يطلقه من على المنابر الرسمية. لكن الثابت لدى الذين ما برحوا يتواصلون مع المقربين منه هو ان الرجل يعتقد ضمناً انه يقف الآن على ارضية صلبة توفر له فرصة الاستمرار والمواجهة، فمن يتوافر له دعم فرنسي واميركي وايراني ومصري وروسي، ومن يلتقي في لندن اكثر من عشرين شخصية عالمية خلال يومين، ومن يعرف ان “حزب الله” اللاعب الاكبرالذي يقود المواجهة الآن يبلغه رسميا ان من مصلحته بقاء الحكومة، فانه قادر على امتصاص العاصفة التي هبت من خارج الحدود، وقادر ايضا على المراهنة ان ثمة معطيات في ظهر الغيب ستصبّ عاجلا في مصلحته، لذا فمن مصلحته الصمود والمواجهة.