لبنان والخليج: في انتظار الـ«ما في شي»؟

صبحي حديدي – القدس العربي

قد لا ينقص المشهد اللبناني الراهن سوى خطاب ماراثوني (باتت تنطبق عليه صفة «العرمرمية») يلقيه حسن نصر الله؛ فيشرح ملابسات «قضية جورج قرداحي» وخلفياتها، من وجهة نظر «حزب الله» أو أمينه العام على وجه الدقة. منتظَر، منطقياً، أنّ جانباً غير ضئيل من ذلك الخطاب سوف ينتهي إلى ما يشبه الاستكمال البلاغي، وعلى طريقة «السيد» التي باتت أثيرة بدورها، لتلك الملصقات الضخمة التي تحمل صورة قرداحي، والعبارة/ الهاشتاغ: « #نعم – جورج – حرب اليمن – عبثية».




ومن الحملة المسعورة ضدّ القاضي طارق بيطار، المكلف بالتحقيق في انفجار مرفأ بيروت الدامي، آب (أغسطس) 2020؛ إلى هستيريا التلويح بـ100 ألف مقاتل، مدرّبين ومسلحين وجاهزين للقتال (ولكن ليس في سياق حرب أهلية، بالطبع!)؛ لا يكفّ نصر الله عن التذكير بأنّ «التقنيات الخطابية»، التي اعتاد على تسخيرها عند مخاطبة مقاتلي الحزب وجمهوره وأنصاره وحلفائه، شهدت انعطافة كبرى يوم 21/3/2012 حين أعلن أنه «ما في شي بحمص»، فمارس الكذب الصريح وأوقع لسانه تحت طائلة التوصيف النبوي الشهير: مَنْ غشّنا فليس منّا. ذلك لأنّ جيش النظام السوري كان، يومذاك، يُخضع مدينة حمص السورية لعمليات قصف وحشية همجية شكّلت ستراتيجيات منهجية مبكرة تستهدف التدمير والتهجير القسري والعقاب الجماعي والتطهير الطائفي.

تلك الانعطافة سوف تتكرر مراراً في خطابات «السيد»، خاصة حين عيّن ذاته شاهد زور، فقطع بأنه «ما في شي في دوما» أيضاً، تعقيباً على التقارير المؤكدة حول استخدام النظام الأسلحة الكيميائية في قصف البلدة. ولعلّ آخر ما حُرّر في مبدأ الـ»ما في شي» هو إعلان نصر الله بأنه «ما في شي لإلنا بالمرفأ»، بعد انفجار النترات المروّع؛ مضيفاً سلسلة مفردات تفيد الجزم: «قاطعاً، مطلقاً، حاسماً، جازماً، حازماً»! ومن عجب أنّ استخبارات حزبه قادرة، كما تفاخر، على رصد ومعرفة حجم النترات المخزنة في مرفأ حيفا؛ لكنها لا تعرف، بل تجهل، أيّ معلومات عن نترات مرفأ بيروت.

لم يكن خياراً مألوفاً، إلى هذا، أن يضطر نصر الله إلى ترحيل خسارات قتلى الطيونة إلى مرتبة الشهداء فقط، أي الذي لا ثأر لهم في برامج الحزب الراهنة، ولا عزاء لذويهم إلا عبر سلسلة آيات قرآنية؛ في افتراق جليّ عن نبرة التهديد والوعيد و»اقعدوا عاقلين» التي طبعت الخطاب، خاصة ضدّ «القوات اللبنانية». فمن جهة أولى، ليست السياقات الراهنة هي الأنسب للتسخين الميداني؛ وليست عين الرمانة، بما كشفت شوارعها من استعداد لفتح النار، نسخة مسيحية/ قوّاتية عن أحياء بيروت الغربية يوم 7 أيار (مايو) 2008. ومن جهة ثانية، ليس عابراً أن تتسرّب تقارير عن لقاءات «تعبوية» بين وليد جنبلاط وسمير جعجع بُحثت خلالها أحوال حزب ليس اليوم بقوّة منظمة التحرير أيام زمان!

وبالفعل، قد تكون تقديرات جعجع غير بعيدة تماماً عن واقع الحال الراهنة التي يعيشها «حزب الله»، ليس على مستوى عدد الآلاف من المقاتلين، فهذه مسألة فيها نظر؛ وإنما على مستوى وجود الحزب داخل دولة سائرة من انهيار إلى فشل إلى تفكك، بما اقتضى أن يدفع الحزب مخصصات صفوة مقاتليه وكوادره بالدولار، وما تبقى من سواد أعظم ليس له سوى الليرة اللبنانية؛ عدا، بالطبع، عن شحّ «المال الطاهر» الذي كان يتدفق من طهران، وانقلاب سحر التهريب إلى سوريا على الساحر المهرّب…

وصحيح، بالطبع، أنّ تصريحات قرداحي مجرد ذريعة، وبالتالي ليس عسيراً على «السيد» أن يصرف احتقاناتها في خانة الـ»ما في شي»، جرياً على ما بات علامة فارقة في خطاباته؛ ولا عزاء، هنا، لتصريحات الدرجة الثانية أو الثالثة التي تصدر عن أمثال الشيخ محمد يزبك والنائب محمد رعد.