ميقاتي مكبّل في رسم السياسات الخارجية للبنان

يعكس تعنّت وزير الإعلام اللبناني جورج قرداحي وتصعيد حزب الله من خلفه ضد السعودية، عجز رئيس الوزراء نجيب ميقاتي عن رسم السياسات الخارجية للبنان والدفاع عن مصالح اللبنانيين في دول الخليج، ما يعزز صدقية القول بأن الحكومة اللبنانية أسيرة أجندات حزب الله ومن خلفها إيران.

وفشلت دعوات ميقاتي المتكررة إلى استقالة قرداحي و”تغليب المصلحة الوطنية”، فيما قيدته التوازنات الحكومية الداخلية في اتخاذ قرار لإقالته، وفتح قنوات الوساطات أمام عدد من الدول التي أبدت استعدادها للتوسط لدى الرياض لطي الخلاف الدبلوماسي مع بيروت.




ويُظهر تعنت قرداحي المدعوم من حزب الله، رئيس الوزراء ميقاتي عاجزا عن التحرك لرأب الصدع، كما أن ذلك يجهض خارطة طريق لطي الخلاف كان قد أعلن عنها الخميس بالاتفاق مع رئيس الجمهورية ميشال عون.

وأدى الخلاف الذي أثارته تصريحات قرداحي، التي ينتقد فيها السعودية بسبب حرب اليمن، إلى تفاقم المشكلات التي تواجه ميقاتي وحكومته، التي أصيبت بالفعل بالشلل بسبب الخلاف حول التحقيق في انفجار مرفأ بيروت الذي وقع العام الماضي.

وعقب شهرين فقط من تشكيل الحكومة بعد عام من الصراع السياسي، أدت التوترات إلى تعقيد محاولات ميقاتي للبدء في معالجة المشكلة الأكثر إلحاحا في لبنان وهي الانهيار المالي الكارثي.

ولم تجتمع الحكومة اللبنانية منذ الثاني عشر من أكتوبر بسبب الخلاف حول انفجار مرفأ بيروت. وحزب الله أيضا في قلب هذا الخلاف إذ يطالب بإقالة المحقق الرئيسي طارق البيطار الذي يتهمه بالتحيز.

ويحذّر مراقبون من ترك حزب الله يقود مسالك هذه الأزمة، راسما خطوطا حمراء أمام إقالة قرداحي أو استقالته، ورافعا سقف المواجهة مع السعودية.

واعتبرت تلك الأوساط أن استغراق لبنان الرسمي في قياس منسوب التوافق المطلوب حيال أي خطوة بحق وزير الإعلام، عوض بدء تدارك الموقف وإدارة الأزمة بما يتلاءم مع جوهرها المتصل بإحكام حزب الله سيطرته على مفاصل القرار، لن يؤدي إلا إلى المزيد من التعقيدات على هذه الأزمة التي تسير بلبنان إلى العزلة.

وقال نائب الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم الخميس، إن السعودية تمارس “عدوانا غير مبرر” على لبنان وعليها أن تعتذر عن ذلك، في إشارة إلى التصعيد الدبلوماسي من جانب الرياض ضد بيروت.

وكان حزب الله (حليف إيران) أعلن في بيان سابق، أن تصريحات قرداحي عن حرب اليمن “مشرّفة وشجاعة”، معلنا رفضه أي دعوة إلى إقالته.

والأسبوع الماضي، سحبت الرياض سفيرها في بيروت وطلبت من السفير اللبناني لديها المغادرة، وكذلك فعلت لاحقا الإمارات والبحرين والكويت واليمن.

وجاءت هذه الخطوة ردا على مقابلة متلفزة أجراها قرداحي في الخامس من أغسطس قبل تعيينه وزيرا في العاشر من سبتمبر الماضي، وبُثت على إحدى المنصّات الإلكترونية لقناة الجزيرة القطرية، بعد تعيينه في الخامس والعشرين من أكتوبر، اعتبر فيها أن الحوثيين في اليمن “يدافعون عن أنفسهم ضد اعتداءات السعودية والإمارات”.

ورغم دعوات طيف سياسي واسع في لبنان لقرداحي بالاستقالة تجنبا للضرر بمصلحة اللبنانيين في الداخل والخارج، يواصل الأخير تحديه لميقاتي واللبنانيين، إذ يسعى إلى المزيد من التأزيم عبر اشتراطه ضمانات لانتهاء الأزمة مع الدول الخليجية بعد تقديم استقالته.

ويرى محللون أن قرداحي ليس في موقع مقايضة، وإنما بصدد تنفيذ سياسات حزب الله المهيمن الأساسي على قرار الحكومة اللبنانية السيادي.

وغرّدت الوزيرة السابقة مي شدياق عبر حسابها على تويتر، قائلة “لم يستح العميل لحزب الله ولم يعتذر، بل أصر على قلة وفائه لدول الخليج وفي طليعتها السعودية والإمارات، التي لحم كتفيه من خيراتها، غير مبال بالأذى الذي تسبب به. كيف نتوقع الخير من متزلف سُرِّب أن بشار الأسد شخصيا طلب من فرنجية تسميته وزيرا؟ جورج قرداحي هذه ليست حرية رأي، هذه خيانة!”.

وتأتي الأزمة في وقت كانت حكومة ميقاتي تعمل على إعادة ترتيب علاقاتها السياسية مع دول الخليج، خصوصا السعودية، وتعوّل على دعم مالي منها في المرحلة المقبلة للمساهمة في إخراج البلاد من أسوأ أزماتها الاقتصادية.

وتشهد العلاقة بين البلدين فتورا منذ سنوات، على خلفية تزايد دور حزب الله الذي تعتبره الرياض منظمة إرهابية تنفذ سياسة إيران، خصمها الإقليمي الأبرز.

وأنفقت السعودية ودول الخليج العربية الأخرى في ما مضى المليارات من الدولارات مساعدات للبنان، وما زالت تقدم فرص عمل وملاذا للكثير من المغتربين اللبنانيين وعددهم ضخم. لكن هذه الصداقة توترت منذ سنوات نتيجة تنامي نفوذ جماعة حزب الله.

وبذلت الرياض كل ما في وسعها على مدى سنوات مضت لدعم لبنان وحث الفرقاء على منع ارتهانه إلى أيّ جهة خارجية، لكن اللبنانيين ظلوا ينظرون إلى المملكة كجهة مهمتها ضخ الأموال وتحريك الاقتصاد والسياحة دون أيّ التزام سياسي تجاهها، وهو خيار لم يعد يتماشى مع سياسات الرياض الجديدة.