أرقام غير مبشّرة للاقتصاد… فما شروط سيناريو الخروج من الأزمة؟

على رغم الخرق النسبي الذي شهده لبنان مع تأليف حكومة جديدة برئاسة #نجيب ميقاتي، تستمر التحديات الجمّة في ظل نقاط ضعف هيكلية واختلالات مالية كبيرة وضبابية في المشهد السياسي والاقتصادي، إذ من المتوقع أن ينكمش الناتج المحلي الإجمالي الفعلي بنسبة %11 في العام 2021 بعدما كان قد سجّل انكماشاً نسبته %25 في العام2020 ، فيما يشهد لبنان غياباً للاستثمار، حيث بلغت المجاميع الاستثمارية أدنى مستوى لها منذ الحرب الأهلية.

وفي إشارة إلى تردي الحساب الخارجي على نحو أقل نسبيا، أظهرت إحصاءات المصرف المركزي عجزاً في ميزان المدفوعات بقيمة 1.6 مليار دولار في الأشهر التسعة الأولى من العام 2021 مقابل عجز قيمته 9.6 مليارات دولار في الفترة عينها من العام السابق. وقد استعادت السياحة بعضاً من زخمها هذه السنة انطلاقاً من قاعدة ضعيفة في العام السابق، حيث ارتفع عدد المسافرين عبر مطار بيروت بنسبة %78.3 سنوياً خلال الأشهر التسعة الأولى من العام 2021. في حين سجلت الواردات مراوحة نسبية هذه السنة، بعدما تراجعت الصادرات بنسبة%23 لتبلغ زهاء 699مليون دولار في الأشهر الثلاثة الأولى من العام 2021.




على صعيد الوضع النقدي، ووفق الارقام التي وردت في التقرير الفصلي لبنك عوده، فقد تقلصت الاحتياطات بالنقد الأجنبي لدى مصرف لبنان بمقدار 5.3 مليارات دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من العام 2021 في ظل تدخل “المركزي” في سوق القطع، وتمويل استيراد المنتجات الأساسية، علما انه تم رفع معظم الدعم عن المواد الأساسية المستوردة، لتبلغ فاتورة الدعم أقل من مليار دولار مقابل فاتورة بـ 5مليارات دولار في العام السابق.

توازيا، تلقّى لبنان في 16 أيلول الماضي زهاء 1.139 مليار دولار من صندوق النقد الدولي بدل حقوق السحب الخاصة به 860) مليون دولار عن توزيع لمخصصات حقوق السحب الخاصة للعام 2021 و 275 مليون دولار عن توزيع العام2009 )، بما نتج عنه ارتفاع موازٍ للاحتياطات من النقد الأجنبي لدى مصرف لبنان. ويتوقع أن يؤدي رفع الدعم إلى ارتفاع إضافي في الأسعار بنسبة 125% بين حزيران 2021 وكانون الأول2021 ، يضاف إلى تضخم نسبته %314 سُجّل بين حزيران 2019 وحزيران2021 .

على صعيد القطاع العام، أظهرت آخر الأرقام المتوافرة للأشهر الأربعة الأولى من 2021 تقلصاً في عجز المالية العامة بنسبة %62.4 لتبلغ زهاء 993 مليار ليرة، نتيجة انخفاض النفقات العامة بنسبة %19.0 وارتفاع الإيرادات العامة بنسبة 5.1%. وعليه، تراجع العجز المالي من %35.8 من النفقات في الأشهر الأربعة الأولى من العام2020 إلى %16.6 منها في الأشهر الأربعة الأولى من العام2021 .

مصرفيا، استمر تقلّص الودائع والتسليفات، وإن بدرجة أقلّ منه في الفترة عينها من العام 2020، إذ تقلصت ودائع الزبائن بقيمة 6.7 مليارات دولار في الأشهر التسعة الأولى من العام 2021 (-4.8%) وانخفضت التسليفات الممنوحة للقطاع الخاص بقيمة 6.2 مليارات دولار سنوياً، فيما لا تزال دولرة الودائع والتسليفات تتجه في اتجاهين مختلفين، حيث ارتفعت دولرة الودائع إلى أعلى مستوى لها على الإطلاق بنسبة %80.0 بينما تراجعت دولرة التسليفات إلى أدنى مستوياتها بنسبة %58.2 في نهاية أيلول 2021.
يشهد لبنان جولة من التقلصات في ظل شبه غياب للاستثمار( المجاميع الاستثمارية عند أدنى مستوياتها منذ الحرب الأهلية( وضعف الاستهلاك الحقيقي (في ظل هبوط حاد في المداخيل الحقيقية للأسر(، في حين أن إنفاق الدولة لا يمكنه التعويض عن ذلك بسبب متطلبات ضبط أوضاع المالية العامة والتي تأتي توازياً مع الحاجة إلى اعتماد سياسات التقشف. في المحصّلة، انكمش الاقتصاد الحقيقي في لبنان بنحو الثلث خلال فترة عامين ما أسفر عن أحد أكبر التقلصات في دخل الفرد عالمياً خلال عقود، وفرض ضغوطاً اجتماعية جمّة على الأسر اللبنانية.

إلّا إنّ تأليف الحكومة الجديدة جاء ليشكّل متنفساً للبنان، وفق كبير الاقتصاديين ورئيس قسم الأبحاث في بنك عوده مروان بركات إذ قال لـ”النهار”: “في حال تم التوصل إلى ابرام اتفاق مع صندوق النقد الدولي، وإطلاق الإصلاحات الجدية وتأمين الدعم الدولي المنتظر، من الممكن تحقيق نمو إيجابي في الناتج المحلي الحقيقي، وذلك انطلاقا من قاعدة ضعيفة في 2021، وبدعم من الاستهلاك الخاص والطلب الاستثماري، ما قد يسهم في تحسن نسبي في الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية عموماً”.

في الانتظار، يبدو أن الأسواق تمنح فترة سماح للحكومة الجديدة لتطبيق إصلاحات ملموسة وإبرام الاتفاق حول برنامج مع صندوق النقد الدولي، ويمكن للأسواق أن تعود فتشهد ضغوطاً في حال احتدام التجاذبات السياسية وغياب الإصلاحات والفشل في التفاوض مع الصندوق ما سيزيد من عامل المخاطر عموماً في البلاد.

ووفق بركات فإن صندوق النقد الدولي “سيقوم بتأمين الدعم للبنان في حال تم التوصّل إلى اتفاق متكامل مع #الحكومة اللبنانية يستند الى عدد من النقاط أبرزها: الاتفاق على حجم الخسائر وتوزيعها على مختلف العملاء الاقتصاديين، تشريع قانون الكابيتال كونترول، توحيد أسعار الصرف المختلفة، التحضير لموازنة تقشفية تستهدف عجزا لا يتجاوز %2 من الناتج المحلي الإجمالي، إصلاح قطاع الكهرباء، وإصلاح القطاع المصرفي من أجل تعزيز الحوكمة وقدرته على جبه الضغوط والعمل على استعادة دوره كعميل ذي صدقية بنّاءة يعوّل عليها. في حال توافرت مجمل هذه الشروط، يمكن للبنان ان يتوصّل إلى إبرام اتفاق تاريخي مع صندوق النقد، ما يمهّد الطريق أمام انعكاس النمط السائد على الصعيد الاقتصادي ووضع حدّ للضغوط الماكرو-اقتصادية والاجتماعية الضخمة التي ترزح تحتها البلاد منذ عامين”.

ويرى بركات أنّ “أي اتفاق مع صندوق النقد ينبغي أن يتوصل إلى توزيع عادل للخسائر بين مختلف العملاء الاقتصاديين. فالدولة، التي تتحمّل بشكل أساسي مسؤولية الأزمة الراهنة، ينبغي أن تأخذ على عاتقها جزءاً ملحوظاً من الخسائر. كذلك، ينبغي على القطاع المصرفي أن يحمل حصته من الخسائر، إلا أن أي خطة تعافٍ يجب أن تبقي على حد أدنى من الأموال الخاصة للمصارف، أي عند ما لا يقل عن 7 إلى 8 مليارات دولار بعد احتساب كل الخسائر، أي ما يقارب%15 من الأصول المعادة هيكلتها، وذلك انسجاماً مع المعايير العالمية للرسملة”.

وتعتبر المحافظة على الحد الأدنى للأموال الخاصة أمراً محورياً لكونه يمكّن القطاع من دعم خطة النهوض بالبلاد والتي يجب أن تعتمد على إطار ماكرو-اقتصادي راسخ، وقطاع مصرفي سليم وعامل ثقة ملائم يجب العمل على استعادته مع الوقت. من هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة رسملة القطاع المصرفي وتقليص حجمه ليتماشى مع حجم الاقتصاد )الوصول إلى نسبة الأصول إلى الناتج لا تتعدى 150%)، ما يكسب القطاع مجدداً صدقيّة يبنى على أساسها في الفترة المقبلة.

وبالحديث عن الازمة غير المسبوقة مع دول الخليج العربي عقب تصريحات لوزير الإعلام جورج قرداحي والتي اعتُبرت ذات طابع مناهض لسياسات دول الخليج، لفت بركات الى ان “من شأن هذه الأزمة أن تعرقل المسار الإصلاحي وجهود النهوض للحكومة الجديدة نظراً الى العلاقات التاريخية الراسخة للبنان مع دول مجلس التعاون الخليجي، مع الاخذ في الاعتبار أنّ الصادرات اللبنانية إلى دول الخليج تقدّر بزهاء مليار دولار )نحو %30 من مجموع الصادرات اللبنانية(، بينما تقدّر التحويلات السنوية للعاملين اللبنانيين من هذه البلدان بنحو 3 مليارات دولار، والتي تصدر عن جالية تعدادها 380 ألف لبناني في بلدان الخليج، وفيما لا يقلّ عدد السيّاح القادمين سنوياً من بلدان الخليج إلى لبنان عن 200 ألف سائح”.

وعلى أمل التوصّل إلى حلّ لهذه الأزمة الديبلوماسية، يؤكد بركات أنّها “ستترك بصمة لافتة على بلد يعاني أصلاً من أزمات مستفحلة وبحاجة ماسّة إلى مخارج للتخفيف من الضغوط الاقتصادية الجمّة التي يرزح تحتها شعب بكامله”.

النهار