أيّ حظوظ للمسار الذي رسمه ميقاتي العائد بجرعة غلاسكو؟

سابين عويس – النهار

بكلامٍ عالي السقف يعكس جرعة دعم خارجية تلقاها على أثر لقاءاته مع عدد من المسؤولين العرب والدوليين الفاعلين على خط الملف اللبناني في #غلاسكو، رسم رئيس الحكومة #نجيب ميقاتي خارطة طريق بشروط غير قابلة للصرف داخلياً رفض فيها ما وصفه ب”الانقلاب على الدستور” و”اعادة البلد إلى دوامة الاقتتال والانقسامات”، معتبراً ان مجلس الوزراء هو المكان الطبيعي لمناقشة الملفات، داعياً وزراء حكومته إلى التزام التضامن الوزاري والتقيد بالبيان الوزاري، طالباً من وزير الإعلام “تحكيم ضميره”.




ما يطلبه ميقاتي عملياً من هذه الخارطة هو إحياء الجلسات الحكومية واستقالة وزير الاعلام مدخلاً اول لمعالجة الازمة مع المملكة العربية السعودية ودوّل الخليج الملتزمة إلى جانبها. والسؤال هل تكفي اللقاءات العربية والدولية التي اجراها ميقاتي على هامش قمة التغير المناخي لإجراء الحلحلة على مستوى الازمة الداخلية الناشئة على خلفية تصريحات الوزير جورج قرداحي، وهو المدرك ان هذه الازمة ليست سوى فصلاً من فصول ازمة سياسية بدأت أساساً مع تعطيل “حزب الله” جلسات الحكومة إلى حين “قبع” المحقق العدلي القاضي طارق البيطار، ولم ولن تنته بإقالة قرداحي.

لا شك ان الجرعة الدولية لميقاتي اسندت موقعه في رئاسة الحكومة، وهو الذي لم يحظ كما من سبقه في حكومات العهد، بمباركة السعودية التي تتزعم العالم السني. فتخلى، أقله راهناً عن خيار الاستقالة ليذهب في اتجاه الدفع نحو استقالة قرداحي بمبادرة منه، لعلمه ان الوزير وبعد دستور الطائف بات يتمتع بحصانة سيادية في الحكومة، فلا يمكن اقالته الا بقرار صادر عن مجلس الوزراء. الامر الذي يدركه ايضاً قرداحي نفسه، المصر على البقاء في موقعه مدعوماً بتمسك الحزب به.

اذن امام ميقاتي معضلتان تحتاجان إلى حل لتستأنف حكومته نشاطها وليعالج الازمة الدبلوماسية الناشئة مع دول الخليج ويوقف او أقله يجمد اجراءاتها العقابية في حق لبنان: ازمة القاضي البيطار، وازمة الوزير قرداحي. ووراء الازمتين الازمة مع الحزب الذي رفع بمواقفه سقف المواجهة مع الخليج، وبسط النفوذ على الساحة الداخلية إلى اعلى مستوياتها. وكان واضحاً في المواقف العالية النبرة التي وجهها ميقاتي إلى الحزب أمس من دون ان يسميه، محملاً إياه “خطأ” فرض الرأي بقوة التعطيل، وجر اللبنانيين إلى خيارات بعيدة عن تاريخهم وعمقهم العربي (..)، ان الرجل قرر رفع سقف المواجهة مع الحزب لعل في الامر ما يصلح الخلل مع دول الخليج والسعودية على رأسها، بحيث لا يُتهم بأنه لم يقف في وجه الحزب، كما حصل مع سلفه سعد الحريري. وكان لافتاً ان هذه المواقف جاءت بعد لقائه رئيس الجمهورية، ما يٌفهم انه حظي بموافقة ضمنية من الاخير الذي يلتقي معه على ضرورة استقالة قرداحي وإصلاح العلاقة مع الخليج. كما كان لافتاً تزامن تلك المواقف مع صدور بيان ادانة عن الخارجية للاعتداءات على السعودية أمس!

في الشكل، يقف ميقاتي وحيداً في خوض هذه المواجهة، في غياب اي قوى سياسية حليفة يمكن التعويل عليه في ظل التخبط الذي تعيشه هذه القوى من جهة، والتزامها بأجندتها الخاصة من جهة أخرى.

في الوسط السني الذي ينتمي اليه ميقاتي، ثمة رأي يحبذ استقالة رئيس الحكومة بحيث لا يتحول في المرحلة المقبلة إلى “باش كاتب” لدى الفريق الآخر، اذ يكفي بحسب اصحاب هذا الرأي تنازلات تقدمها الطائفة لمصلحة تنفيذ الانقلاب على الدستور واحكام السيطرة على البلد.

في المقابل، يخشى فريق آخر من مخاطر تحويل الحكومة إلى تصريف الاعمال امام التحديات الاقتصادية والمالية التي تواجهها البلاد والتي تحتاج إلى حكومة فاعلة او على الاقل وزراء بكامل الصلاحيات لبدء المفاوضات مع صندوق النقد الدولي من جهة وللأعداء لانجاز الاستحقاق النيابي في موعده من جهة اخرى.

والواقع ان المفاوضات التمهيدية مع الصندوق بدأت، اما ازمة القاضي البيطار التي تعيق انعقاد مجلس الوزراء، فلا تستبعد مصادر سياسية ان يكون قرار محكمة الاستئناف في بيروت بكف يد البيطار استجابة لدعوى الوزير السابق يوسف فنيانوس مقدمة لمعالجة هذه المسألة، وان يكن قرار الكف غير كافٍ بحسب مصادر دستورية بل هو بمثابة تجميد إجراءاته إلى حين البت النهائي من قبل محكمة التمييز. وقد جاء بيان كتلة “التنمية والتحرير” ليعيد الامور إلى مربع التعطيل الاول، بحيث اعادت الكتلة النيابية لحزب الله التأكيد على لاءين: لا لاستقالة قرداحي ولا لجلسات حكومية قبل تنحية البيطار. وهذا يعني في خلاصة اليوم الاول للمشهد السياسي الداخلي المأزوم مع استئناف ميقاتي نشاطه بعد عودته من غلاسكو، ان لا نتيجة عملية لجرعات الدعم الخارجية بعد على مساري الحكومة والازمة مع الخليج، اي لا خرق ولا تقدم بل استمرار في الدوران في دائرة البحث عن المخارج!