جوزيف الهاشم - الجمهورية

رسالةٌ إلى العميان من المبصرين – جوزيف الهاشم – الجمهورية

رسالـةٌ من المبصرين، إلى الذيـن يجلسون على الكراسي أصنامـاً من اللَّحـم… والكراسي عظامٌ وجماجم.

هـلْ لهمْ أعيـنٌ يُبصرون بها، وآذانٌ يسمعون بها، وعقولٌ يفكِّرون بها، وضمائرُ يستشعرون بها فواجِعَ الظلم وفداحة الجـرم…؟




هل بقيتْ مصيبةٌ لـمْ تقع على هذا الوطن المنكوب…؟

هل بقيَ زفـتٌ ونـارٌ وكبريت، لم يتساقط على رؤوس هذا الشعب بسبب ما اقترفوا من مفاسد…؟

هل بقيتْ سهامٌ وسياطٌ وكؤوسُ خـلٍّ ومسامير، لم تزدحمْ في مسيرة الجلجلة والصلْب…؟

أوْ هيَ كربلائيةٌ دامية، والرؤوس على أسنّـةِ الرماح في طريقها إلى يزيـد بـن معاويـة في الشام…؟

المسيح انقـادَ إلى الجلجلة بإرادة أبيـه الذي في السماوات، ومن بين الأموات قـام بإرادة أبيـهِ الذي في السماوات، كمثل ما ربّكم السماوي: «يحييكم ثـمَّ يميتكم ثـمّ إليه ترجعون».

أما الذين ينقادون إلى الجلجلة بإرادة أبيهم الذي في الأرض فقد يموتون أحياءً ويموتون أمواتاً مسمّرين على الصليب بين اللّصين.

ماذا بقي من لبنان وفي لبنان من جنائن تجري من تحتها الأنهار غيرُ جحيم وشياطين…؟

الذي كان جائعاً أصبح يموت من الجـوع…

والذي كان مريضاً أصبح في متحفٍ للجُثـث…

والذي كان تاجراً أصبح مشرّداً…

والذي كان ميسوراً أصبح متسوّلاً…

والذي كان مواطناً أصبح مهاجراً…

والذين يهربون من الموت يصطدمون بنعوشهم.

ولبنان الذي كان يحلّق في الآفاق، ولم يكن العالم يتَّسع لبسْطِ جناحيه، أصبح معزولاً عن العالم، مطوّقاً بالسلاسل، سجيناً في قفص، أسيراً في سجن، وكأنّـهُ جزيرة في محيط لم يكتشفها بعد كولومبس.

عـزلةٌ دولية، انكماشٌ إقليمي، عقوبات أميركية، غضبٌ أوروبي، قطيعةٌ عربية، والمسؤولون يفتعلون المـآزق، يخاصمون الدول ثـمَّ يتسكَّعون على أبوابها متوسّلين لمعالجة المـآزق التي افتعلوها.

تصريح الوزير جورج قرداحي كان الصاعق الذي فجّـر القنبلة الموقوتة، وكشَفَ المستور في نهـج الدولة وجسمها المهترئ: فريق مع التصريح، وفريق ضـدّ التصريح، ولبنان الحكم لبنانان، والحكومة حكومتان، والسياسة الخارجية سياستان، والشعب تتقاذفه الأهواء المتلاطمة ، ولم نعد نعرف من هو الحاكم ومن هو المحكوم، مَـنْ هو البابا ومن هو الأمبراطور في الأمبراطورية الرومانية المقدّسة، حيث كان الأمبراطور يسيطر على أجساد الناس والبابا يسيطر على أرواح الناس.

لستُ أدري، في ظـلِّ هذا الجـوّ المشحون بالغرائب والنوائب، والحكم ضائعٌ والقيادات متضاربةُ الغايات، والبلاد تتهاوى في النهايات، ما إذا كانت استقالة القرداحي تكفي، واستقالة الحكومة تكفي واستقالة الحكم برمّته تكفي.

نحن أمام بركان هائج وعصـرٍ جيولوجيٍّ جامح، قد يُحـدثُ انقلاباً فوضوِّياً في ديمغرافية الأرض، حيث لا ضوابط شرعية ولا شرائع إنسانية، ولا ظـلّ على الأرض لخُطى اللـه.

في أوائل القرن التاسع عشر حين سقطت أحكام الشريعة والشرع، أعلن الفيلسوف الإلماني «نيتشـه» مـوت اللـه، بحجّـة: «أنَّ اللـه لم يعـد يتمتّع بصحّـة جيدة في ضمائر عبادهِ الوثنيّيـن..»

إنّ أبـرز مشاكل الأمـم تتأتّى مما يُبلـى بـه حكّامها من مفاسد وغرائز، المشكلة الكبرى تكمنُ دائماً في السلطة بحسب مثَـلٍ لاتيني: «في السلطة كما في الجسم، الأمراض الأكثر سوءاً مصدرُها الرأس».

كيف تدحرجت السلطة عندنا هبوطاً منذ الإستقلال حتى اليوم..؟ وكيف تمايزتْ مستوياتُ الفكرِ السياسي والفكر العقلي في انحدار متلاحق:

من رياض الصلح إلى نجيب ميقاتي.

ومن الجنرال فؤاد شهاب إلى الجنرال ميشال عـون.

ومن جبران خليل جبران إلى جبران باسيل..؟

نعم… لا يستطيع التاج على رأس ملك عاجز أن يعالج وجـع الرأس.