فايننشال تايمز: الضغوط الخليجية على لبنان المفلس مأساوية وتزيد في معاناته

قال المعلق في صحيفة “فايننشال تايمز” ديفيد غاردنر إن الضغط المتزايد من دول الخليج على لبنان المفلس يزيد من معاناته. وأضاف أن دول الخليج الغنية من السعودية وحلفائها نفذ صبرها من دولة تعيش في ظل إيران وحزب الله. وقال إن الخلاف بين لبنان المدمر ورعاته السابقين الأغنياء في الخليج هو مأساوي. وقد يكون بداية تسد آخر منفذ لتدفق النقد إلى لبنان الذي يقترب اقتصاده من الانفجار الكامل ووصل ثلاثة أرباع سكانه إلى مستوى الفقر.

وقال إن السعودية وحلفائها الأقرب في الخليج طردت في الأسبوع الماضي سفراء لبنان واستدعت سفراءها من العاصمة اللبنانية، بيروت. وأصدرت السعودية قرارا بمنع البضائع المستوردة من لبنان، لكن منظور منع الطيران اللبناني ووقف منح التأشيرات وفوق كل هذا تحويلات اللبنانيين العاملين في دول الخليج هي أكثر خطورة. ويحول العاملون اللبنانيون في دول الخليج ما بين 3- 4 مليارات دولار سنويا، حسبما يقول الاقتصاديون في المنطقة وقبل الانهيار الفعلي للنظام المصرفي قبل عامين والذي أغلق حساباتهم. ورغم مصادرة البنوك توفيرهم إلا أن تدفق التحويلات خارج المصارف استمر من أجل مساعدة العائلات على البقاء.




ويعلق غاردنر أن العاصفة الحالية كانت تتجمع منذ وقت لكن من المثير للحيرة أن المقاطعة السعودية لبيروت تأخرت كل هذا الوقت. فعندما تنظر دول الخليج السنية إلى لبنان ترى أمامها حارسا للحرس الثوري الإيراني على البحر المتوسط. وترى في حزب الله، الجماعة العسكرية التي تسيطر على الدولة اللبنانية الضعيفة رأس حربة لطهران في المشرق والخليج.

وبدأت الأزمة بتصريحات أطلقها وزير الإعلام جورج قرداحي في مقابلة تلفازية انتقد فيها الحرب التي تقودها السعودية في اليمن ضد المتمردين الحوثيين الذين تدعمهم إيران. ويحاول السعوديون الخروج من اليمن ووقف هذه المهزلة العسكرية والكارثة الإنسانية، كما فعلت الإمارات، لكن توقيت التعليقات اللبنانية لم يكن جيدا. واحتج قرداحي أنه سجل هذه التعليقات قبل أن يعين وزيرا في حكومة نجيب ميقاتي التي أعلن عنها في شهر أيلول/سبتمبر. وهذا كلام صحيح، لكنه مخادع. فهو مقدم برامج تلفزيونية معروف وأصبح ثريا من خلال مجموعة أم بي سي القناة التي تملكها العائلة السعودية المالكة، حيث ظل على مدى عشرة أعوام يقدم النسخة العربية من برنامج “من يربح المليون”. وترك القناة السعودية لدعمه المجازر التي ارتكبها بشار الأسد ضد التمرد السني. وسواء كان وزيرا أم غير وزير فقد كان يعرف عش الدبابير الذي نكشه. وهذا لا يعني أن حكام الخليج كانوا يتدافعون من أجل إنقاذ لبنان، كما كانون يفعلون في الماضي. فقد مول الخليج معظم إعادة الإعمار في أعقاب الحرب الأهلية 1975-1990. وبعد حرب الـ 34 يوما بين حزب الله وإسرائيل في 2006، تم جمع 3.4 مليار لتمويل خطة إعمار طارئة في عدة أسابيع ومعظمها جاء من دول الخليج.

ولكن فكرة مسارعة الخيول البيض من الجزيرة العربية لإنقاذ النخبة السياسية اللبنانية من حماقاتهم هي اسطورة دائمة. ويقول حليف سابق لرئيس الوزراء السابق سعد الحريري إنه عقد في تشرين الأول/أكتوبر 2019 محادثات في أبو ظبي لتأجير الإمارات إدارة مطار ومرفأ بيروت، لكن جهوده لم تثمر. وسقطت الحكومة بعد انتفاضة مدنية، وبعد انفجار مرفأ بيروت العام الماضي تشعر الإمارات أنها لم تهرب من رصاصة كهروبها من سحابة الدخان التي تشكلت مثل الفطر فوق بيروت. وكانت السعودية قد حظرت استيراد الخضروات من لبنان لأن بعضها استخدم لإخفاء المخدرات. ومثلما لدى دول الخليج شكاواها، فاللبنانيون لديهم مظالم، وأهمها اعتقال ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لسعد الحريري في عام 2017 عند دعوته للرياض، ومن هنا فالسياق مهم للخلاف الحالي.

وساعد الحريري ميشيل عون، حليف حزب الله ليصبح رئيسا للجمهورية عام 2016. وعليه شعر السعوديون الغاضبون أنهم يمولون عملية استيلاء إيران على لبنان، وقاموا بوقف مساعدات عسكرية بـ 4 مليارات دولار. وبحلول عام 2018، فاز تحالف من جماعة عون بحزب الله في مركزه في انتخابات البرلمان. وهنأ علي أكبر ولايتي المقرب من سماحة المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية عون بالفوز واعتبره نصرا لإيران وحزب الله.

كما أن السياق الجيوسياسي يظل مهما أيضا، فقد كان واضحا في الأيام الأخيرة لإدارة دونالد ترامب والتي منحت صكا مفتوحا لمحمد بن سلمان ونظرائه أن سياسة “أقصى ضغط” أدت لتقوية المتشددين في إيران وأكدت انتصاراتهم لفي المنطقة. ويبدو أن جوي بايدن وفريقه لا أجوبة لديهم على هذا الوضع. ومن الصعب استقالة قرداحي أو عزله بعدما حصل على دعم علني من حزب الله. ولو ذهب الآن، فمن المتوقع أن يعرقل الحزب التحقيق الجنائي في انفجار الصيف الماضي. وكانت احتجاجاته ضد القاضي طارق بيطار سببا في عنف لم يشهد لبنان مثله منذ أكثر من عقد. ويظل لبنان ليس مثل قطر الدولة الغنية بالغاز التي نجت من حصار ما بين 2017- 2021 لأنها ثرية ولديها أصدقاء، أما لبنان فهو مفلس ومحروم من الأصدقاء.