التحقيق في ملف انفجار مرفأ بيروت انتهى و بات بحكم السبات الأبدي!!

نادر فوز – المدن

إلى اللبنانيين المعنيين إيجاباً بالتحقيق في ملف انفجار مرفأ بيروت، بكل شغف السعي وراء الحقيقة والعدالة والمحاسبة: للأسف، التحقيق انتهى أو بات بحكم السبات الأبدي.
إلى اللبنانيين وغير اللبنانيين المعنيين سلباً بالملف، بكل ولع عرقلة الاستجوابات والحقيقة والعدالة: مبروك تمّ الأمر.
اليوم في الرابع من تشرين الثاني 2021، بعد سنة وثلاثة أشهر على المجزرة، من الواجب القول إنّ التحقيق في انفجار المرفأ عاد إلى نقطة الصفر، إلى حيث لم يبدأ، إلى حيث كنا لا نزال نرفع الركام ونلملم الأشلاء من تحتها. قرار كفّ يد المحقق العدلي، القاضي طارق البيطار، ولو أنه مؤقّت، إلا أنه تعطيلي بالكامل وحتى النفس الأخير. هو تعطيل التحقيق إلى أجل غير مسمّى.




تبليغ منزلي
بعد ظهر اليوم، حضر أحد موظفي قصر العدل إلى منزل المحقق العدلي، القاضي طارق البيطار، وأبلغه بقرار كف يده عن الملف. كأن التبليغ تمّ بواسطة “الديليفري”. محكمة الاستئناف قبلت طلب الردّ المقدم من الوزيرين المدعى عليهما في الملف، علي حسن خليل وغازي زعيتر، ضد رئيس الغرفة رقم 12 في من محكمة الاستئناف القاضي نسيب إيليا الناظر في طلبات الردّ المقدّمة ضد البيطار. ومع قبول الاستئناف الطلب، تم كف يد إيليا، وأحيل النظر في طلبات الردّ إلى القاضي حبيب مزهر. فسارع الأخير إلى تبليغ البيطار بقبول طلب الردّ المقدّم ضده من قبل الوزير السابق المدعى عليه يوسف فنيانوس. فتم كفّ اليد مؤقتاً.

العرقلة التامة
وإن كان كف يد البيطار مؤقتاً لحين النظر في طلب الردّ والبتّ فيه، إلا أنه حسب ما علمت “المدن”، فإنّ مزهر طلب من البيطار “تبليغه بكل ملف التحقيقات، أي تحويل كامل الاستجوابات والتفاصيل للاطلاع عليها، ليتمكّن من النظر في طلب الردّ واتخاذ القرار المناسب فيه”. ومن يعلم التفاصيل القضائية، فإنّ هذه العملية قد تستوجب أسابيع أو أشهراً. ما يعني أنّ التحقيق توقّف لأسابيع أو أشهر، مع العلم أنّ المطلعين على الشؤون القضائية يعلمون جيداً الموقف المسبق الذي اتّخذه مزهر ضد البيطار. وقد تجلّى ذلك قبل أيام خلال اللقاء الذي تم بين مجلس القضاء الأعلى والمحقق العدلي (راجع “المدن”).

قرار مزهر
وجاء في قرار القاضي مزهر، أولاً “إبلاغ المحقق العدلي طلب الردّ مع تكليفه إبداء ملاحظاته على هذا الطلب الراهن في خلال ثلاثة أيام من تاريخ إبلاغه”. ثانياً، “إشعار القاضي المطلوب رده بوجوب التوقف عن متابعة النظر في الدعوى”. ثالثاً، “إشعار القاضي طارق البيطار بإيداعنا كامل ملف الدعوى للاطلاع عليه تمهيداً للبت بأسباب الردّ المثارة من قبل طالب الردّ، إضافة لتبيان أسماء الخصوم من مدعين ومدعى عليهم ليصار إلى تبليغهم. رابعاً، إبلاغ النيابة العامة التمييزية طلب الردّ المذكور مع تكليفها إبداء الرأي خلال ثلاثة أيام. خامساً، إبلاغ الخصوم في هذه الدعوى مع تكليفهم الجواب خلال مهلة 24 ساعة. سادساً، تكليف الخصوم في هذه الدعوى مناقشة مدى اختصاص هذه المحكمة مكانياً للنظر في الطلب الراهن وذلك في مهلة 24 ساعة من تاريخ تبلّغهم هذا القرار. سابعاً، حفظ حق المحكمة بكامل هيئتها للبت بالاختصاص النوعي والمكاني لهذه المحكمة. ثامناً، “إشعار قلم هذه المحكمة بإتمام تبادل الأوراق القضائية المقدمة في ملف هذه الدعوى وتبليغها من الخصوم تحت إشراف رئيس هذه المحكمة”.

قُضي الأمر
بعد جريمة 4 آب، بثقل هولها ومأساتها، خيّل لنا كلبنانيين بأنه بإمكاننا الوصول إلى حقيقة أو عدالة أو إتمام محاسبة حفاظاً على ذكرى من سقطوا، وتكريماً لمدينة مدمّرة تهجّر أهلها. منذ كانون الأول 2020، انطلقت مساعي عرقلة التحقيق، في مسيرة المحقق العدلي السابق القاضي فادي صوان. وقبل أشهر، مطلع تموز 2021، بدأت الحملة على المحقق العدلي القاضي طارق البيطار بعد ادّعائه على رئيس وزراء ووزراء سابقين وضباط أمنيين حاليين ومتقاعدين. وبعد ما تلاه من حملات وتهديدات ومواقف معلنة للإطاحة بالبيطار، قُضي الأمر.

يسلّم البيطار ملفاته، ويسلّم معه من تبقى من لبنانيين مؤمنين بعدالة وحقيقة أمورهم للسلطة الحاكمة. مبروك عليها الإفلات من التحقيق والمساءلة. ومبروك عليها طمس الحقيقة ومنع العدالة. وفي هذه التجربة القديمة الجديدة، تكريس لواقع إباحة القتل والنهب والإفساد والتخريب والتفجير والاغتيال من دون حساب. هنيئاً لهذه السلطة هذه البلاد، بأزماتها ومآسيها وحروبها واحتلالاتها. علّنا نهدأ لنهنأ في بلاد أخرى.