“الخلاص” المستحيل من حزب الله

يوسف بزي – المدن

لم يأت بجديد كلام وزير الخارجية عبدالله بوحبيب حول استحالة الصدام الأهلي مع حزب الله. بل هو تعبير يومي في القاموس السياسي اللبناني، وأشبه بعقيدة، نرى جذرها الأول في لحظة “الحلف الرباعي” الانتخابي في ربيع 2005، حين تبنّت قوى 14 آذار نظرية تحاشي الحرب الأهلية واسترضاء حزب الله، وضمناً تحجيم “تسونامي” التيار العوني.




الأخير بدوره تبنى سريعاً تلك النظرية واحترف تطبيقها إلى حد التماهي التام مع الحزب، على نحو خالفت فيه أغلبية المسيحيين اللبنانيين إرثها السياسي وثوابتها التاريخية، وعاكست تماماً أدبيات التيار العوني بالذات، التي كانت معادية جذرياً لحزب الله وسلاحه.

قبل ذلك، يمكن القول أن حركة أمل نفسها، التي خاضت صراعاً دموياً مديداً مع حزب الله، وتنافساً مريراً داخل الطائفة الشيعية ومؤسساتها على مواقع النفوذ والصدارة والتمثيل، كانت السباقة في تبني نظرية الانضواء تحت جناح الحزب و”مسايرته” والتحالف معه، كشرط للبقاء على قيد الحياة، وكمصلحة عميقة في تصليب الطائفة بوجه الطوائف الأخرى. وكان هذا ابتداءً لـ”تصفية” التنوع داخل الطائفة، لا السياسي أو الأيديولوجي وحسب، بل وحتى الفقهي، خصوصاً بعد غياب الإمام محمد مهدي شمس الدين والسيد محمد حسين فضل الله.

بهذا المعنى بات أي اعتراض على حزب الله هو “تهديد” للطائفة الشيعية، الخارجة كمارد من القمقم، حسب وصف مفتيها الشاب. وبات من الصعب سياسياً الفصل بين انتقاد الحزب وتهمة “استهداف الشيعة”. وفي بلد سمته الأولى الانتماء الطائفي، صار نقد حزب الله مشبوهاً كتحريض طائفي وكنعرة آتية من رغبات طوائف أخرى متربصة.

آخر المواجهات الجدية كانت تلك التي قادها فؤاد السنيورة بين خريف 2006 وربيع 2008، انتهت بـ”حرب أهلية” مصغّرة، ومختزلة إلى “فتنة سنية شيعية” ما كان ممكناً إطفاؤها إلا باستسلام سنّي، برعاية عربية!

هكذا “احتل” حزب الله الحياة الوطنية وأعاد رسمها، بما يغاير كلياً العقد السياسي الميثاقي بين المجموعات اللبنانية. وأفرغ الديموقراطية من أي محتوى، خصوصاً أن ما نجح فيه شيعياً تحول نموذجاً تقتدي به الطوائف الأخرى، تلحقه وتقلّده قدر المستطاع. التنوع اللبناني تحول إلى معسكرات، أي عديم “السياسة”.

وفق هكذا حال، مرفقاً بتفوق نوعي وشبه حصري بالسلاح، وبرصيد ضخم يعادل إنجاز الاستقلال والتأسيس الكياني، أي “التحرير”، عدا تثبيته الميزان الوطني على أثقال “الممانعة” ومحاربة الامبريالية والصهيونية (وأخيراً الإرهاب التكفيري)، ما عاد حزب الله مجرد ميليشيا يجب تجريدها من السلاح وفق بنود الوفاق الوطني، ولا مجرد حزب سياسي كسائر الأحزاب، ولا حتى دويلة داخل الدولة. إنه رديف “السلطة” بمعناها التام، وتوأم الدولة نفسها.

ووفق ثالوث مقدس جديد: الجيش، الشعب، المقاومة. خطّ حزب الله أيديولوجيا جديدة للكيان اللبناني، على نحو لا انفكاك فيه بين وجود الحزب ووجود لبنان. اندماج عضوي بين تعريف البلد وسلطة حزب الله.

أي مخالفة أو تمرد على هذا الواقع هو بنظر حزب الله (ودولته) بمثابة عمل طائش أو فتنوي أو خيانة وطنية. فما عاد الأمر “استرضاء” حزب الله أو تجنب استعداء الطائفة الشيعية، إنما تلقائياً المباشرة بحرب أهلية مهلكة، يتقنها الحزب أكثر من غيره. إنه ابتزاز لا مفر منه.

لذا، لا المطلب الأميركي من اللبنانيين بمواجهة حزب الله، ولا المطلب السعودي بالانقلاب على حزب الله، ممكنين. فالأميركي لا يزال يتوهم وجود كتلة متماسكة على نسق 14 آذار، أو على صورة تظاهرات تشرين 2019، والسعودي لا يزال يتخيل لبناناً تعددياً ومتنوعاً ودولة منفصلة عن قوة حزب الله. ولهذا، نرى اليوم الخيبة الأميركية والسخط السعودي، وبعض الاستغراب الأوروبي مما آل إليه البلد.

ما يمتاز به حزب الله، هو ضربته الاستباقية التي وجهها إلى الطائفة الشيعية على نحو تجنب بها السيناريو العراقي. فهناك في بغداد والنجف وكربلاء والبصرة وسائر المحافظات ذات الأغلبية الشيعية، كانت الانتفاضة الشعبية (على مثال انتفاضة تشرين اللبنانية وتزامنت معها) شيعية أولاً، وضد الهيمنة الإيرانية وميليشياتها، ولا يمكن نعتها بالعميلة للأميركيين، ولا بوصفها “إرهاباً تكفيرياً”، وهي تستند إلى مرجعيات فقهية كبيرة (بمقدمتها السيد علي السيستاني) وإلى تيارات شعبية عريضة (أبرزها تيار مقتدى الصدر). لم يهزم “الحشد الشعبي” (مثيل حزب الله اللبناني) إلا على يد الشيعة أنفسهم.

لا “أمل” ولا المجلس الشيعي الأعلى ولا أي تيار مستقل افتراضي، ولا فلول يساريين قادرين على هكذا دور، ولا هم أصلاً بوارد هكذا أفكار “انتحارية”.

ولهذا السبب، الاستعصاء الذي صنعه حزب الله يبدو بلا شفاء ولا خلاص.