تركيا وأمريكا… العلاقات الجديدة – توران قشلاقجي – القدس العربي

يمكن اعتبار المسار الحالي للعلاقات التركية الأمريكية أشبه بإعلان عن بدء نظام عالمي جديد. وبفضل عمقه التاريخي لهذا النوع من العلاقات كانت هناك محاولات لجعله مستداما، لكنه خضع لاختبارات كبيرة في نقطة تأريخ جديدة من المرجح أن تتطور في الواقع. أسلوب العلاقة الجديد هذا ليس مرتبطاً بتركيا فقط.. كثير من الدول الكبرى في أجزاء كثيرة من العالم تعيد النظر في العلاقات التي أقامتها مع الولايات المتحدة خلال مرحلة الحرب الباردة، كذلك فإن العديد من الدول الافريقية تعيد قراءة علاقاتها مع فرنسا. تضمن اجتماع الرئيس رجب طيب أردوغان مع الرئيس الأمريكي بايدن على هامش قمة قادة مجموعة العشرين أربع رسائل مهمة تتعلق بكل من القضايا الإجرائية والموضوعية.
*أولاً: إن نهج الولايات المتحدة «الحليف الذي يمكن إدارته أو توجيهه» منذ حقبة الحرب الباردة، يهتز حتى الصميم وهذا ما يشير إليه موقع القوة الإقليمية لتركيا، وهذا بدوره يمكن أن يؤثر في التطورات العالمية من حيث التغيير.
*ثانياً: لم تعد هناك علاقة «رضا» بل علاقة «إكراه» بين أنقرة وواشنطن، وعلى الرغم من حالات الاختلاف في مواقف الطرفين، إلا أن حاجتهما لبعضهما بعضا لا تخفى على أحد.
ثالثاً: تعمل «دبلوماسية الزعيم» الناجحة التي يقودها الرئيس أردوغان على إبقاء العلاقات التركية الأمريكية حية هذه الأيام، ومع ذلك، فإن هناك فرقا واضحا بين قدرة أردوغان على التغلب على المشاكل مع بوتين، وقدرته على حل المشاكل مع بايدن، والسؤال هنا لماذا؟ ذلك لأن أردوغان وبوتين يثقان في بعضهما بعضا، ويظهران أن لديهما سيطرة كاملة على البيروقراطية الأمنية والدبلوماسية. أما مع الرئيس بايدن، وعلى الرغم من معرفته بأردوغان عن كثب، وبينهما صداقة، إلا أن بايدن يجد صعوبة في أخذ زمام المبادرة، أو يقدر على أن يحيد عن الطريق الذي رسمه له النظام الأمريكي القائم.

توقع وصول الملفات المزعجة في العلاقات التركية الأمريكية، إلى نتيجة مرضية في المستقبل المنظور سيكون نوعاً من التفاؤل




*رابعا: توقع وصول الملفات المزعجة في العلاقات التركية الأمريكية، إلى نتيجة مرضية في المستقبل المنظور سيكون نوعاً من التفاؤل.
استمر اجتماع الرئيسين أردوغان وبايدن في قمة مجموعة العشرين في روما لمدة ساعة و10 دقائق، وهذا أنتج قرار إنشاء «آلية مشتركة» في العلاقات الثنائية، لاسيما في مجالات الأمن والدفاع والتجارة ومكافحة الإرهاب والقضايا الإقليمية، والتأكيد على «أرضية تحالف الناتو والشراكة الاستراتيجية» وأن الرغبة في استعادة العلاقات التركية الأمريكية موجودة لدى كلا الجانبين، وبعد اجتماع الزعيمين أدلى الطرفان ببيان: فالولايات المتحدة أدلت ببيان دبلوماسي وناعم، بينما أكد الجانب التركي على إيجابية اللقاء. لكن وعلى الرغم من كل هذا، فإن العديد من أجنحة الإدارة الأمريكية تنتظر تقييم الانتخابات المقبلة في تركيا. لما يبديه من إبقاء أنقرة في مدار الناتو حتى وقت تلك الانتخابات، وإذا ما جاز التعبير إنه اللعب على حبال الوقت. بعض الدول في المنطقة التي، حتى الآن، لا تزال لا تعرف الرئيس أردوغان، أو لا تعرف ما يعنيه الوثوق بقوة تركيا، هي أيضاً تراقب انتخابات عام 2023، تماما مثل بعض الأمريكيين.
يعود تاريخ العلاقات التركية الأمريكية، التي تطورت بطرق مختلفة بعد الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية، كما هو الحال​ للولايات المتحدة بعد حصولها على استقلالها، فقد أبرمت اتفاقيات مع الجزائر وتونس وليبيا، نهاية القرن الثامن عشر، من أجل أن يكون لها وجود في البحر الأبيض المتوسط.
خلاصة القول إن العلاقات الأمريكية التركية لن تعود كسابق عهدها طويلة عميقة مستقرة من الآن فصاعدا، وسنرى المزيد من أنواع التحالفات المؤقتة ذات التوجهات التنافسية حتى الصراع. لكن من المهم اتباع الديناميكيات عن كثب بدلاً من التحليل المبتذل.