لماذا يلوذ بري بالصمت حيال “الأزمة الديبلوماسية” وما هي خريطة الطريق التي سيسلكها ميقاتي بعد عودته؟

ابراهيم بيرم – النهار

كان أمراً لافتاً ان يخلو البيان الاخير للمكتب السياسي لحركة “أمل” (اول من أمس) تماما من أي اشارة إلى #أزمة العلاقات الخليجية – اللبنانية البالغة التوتر والاحتدام، والتي تفجرت كما هو معلوم على خلفية كلام أطلقه وزير الاعلام جورج قرداحي قبل أكثر من شهر على تسميته في منصبه واعتبر فيه ان “الحرب على اليمن عبثية”.




فليس أمراً بلا معنى ان يخلو بيان تنظيم سياسي بموقع حركة “امل” من اي اشارة ولو عابرة إلى قضية رأي عام عصفت رياحها بالمشهد السياسي العام في البلاد، وألقت بظلها الثقيل الوطأة على الوضع الحكومي فزادته وهناً وتعثراً.

واستطرادا، ليس موقفا بلا بُعد ومغزى ان ينأى رئيس الحركة الرئيس #نبيه بري ذو الدور المحوري في دورة الحياة السياسية بنفسه ويعتصم بالصمت حيال حدث بهذا المستوى والتأثيرات وكأنه تطور يحصل في دولة خارجية.

إذاً الامر يستبطن ولا شك موقفاً ودلالة، خصوصا ان الرئيس بري معنيّ بمصير الحكومة الميقاتية كونه شريكا اساسيا فيها وفي الوقت عينه على علاقة وطيدة برئيس “تيار المردة” سليمان فرنجية الذي تدور القضية والازمة في فناء مسرحه السياسي.

بالطبع ثمة مَن يعطي للحدث تفسيراً خاصا منطلقا من ان الرئيس بري يقيم على حراجة موقف فيكون التزام الصمت في هذه الحال “سيد الأحكام”، لاسيما ان رجلاً بمستوى معرفة بري يدرك ولا ريب اهمية العلاقة الطبيعية والهادئة مع دول المنظومة الخليجية، ويعي استطرادا حجم الخسارة الناجمة عن الانزلاق نحو الدخول في تصادم مع دولة بحجم موقع السعودية ووزنها في العالمين العربي والاسلامي.

وعلى وجاهة هذا التفسير، فان ثمة مَن يجد في طيات موقف سيد عين التينة “حكمة وتبصراً وبُعد نظر”، اذ يمكن ان يكون بري رجل المهمات الصعبة ينتظر اللحظة المؤاتية لتوظيفها والاستهداء بها بغية المساهمة في تدارك الامر ومعالجة الموقف المتأزم والمفتوح على الاحتمالات السوداوية والسلبية.

ففي أوساط على صلة وثيقة بالرئيس نجيب ميقاتي يدور كلام صريح فحواه ان ميقاتي الذي على رغم بُعده عن بيروت سارع إلى وضع نفسه في قلب الحدث منذ تفجره لحظة بلحظة، ومن ثم بادر إلى رسم خريطة طريق اولية عنوانها العريض الحيلولة دون الدفع بالامور إلى مزيد من التأزم.

ولم يعد خافيا ان لدى ميقاتي مدخلين للشروع في تنفيذ مندرجات هذه الخريطة، اولهما الاجتماعات المكثفة التي عقدها بناء على مواعيد مسبقة، وأخرى التأمت على عجل مع مسؤولين عرب واجانب حيث هو يشارك في مؤتمر في غلاسكو (اسكوتلندا)، والتي تركزت جميعها على طلب المساعدة في اعادة وصل ما انقطع مع الرياض وعلى خفض منسوب عناقيد غضبها من لبنان.

اما المدخل الثاني، وفق المصادر، فسيكون فور عودته إلى ارض الوطن حيث يعتزم وضع الاطراف المشاركة في الحكومة التي يرأسها امام مسؤولياتهم ويطلب منهم المضي معه في رحلة عمل جماعي ليس للمحاسبة بل لتدارك الوضع قبل فوات الاوان، وهي (الرحلة) تقوم على الآتي:

– العودة إلى نظرية ان على الوزير المعني جورج قرداحي ضرورة ان يقدر هو شخصيا الموقف ويبادر إلى خطوة تلقائية، على ان يلاقيه في هذا الامر الوزير السابق فرنجية كونه يشكل مرجعية سياسية للوزير قرداحي، وكونه هو من سمّاه لدخول الحكومة الحالية. ولابد من الاشارة إلى ان ثمة مآخذ ضمنية على الكلام الذي أطلقه قرداحي خلال ظهوره بُعيد القرار السعودي، فهو انطوى على “أبعاد ذات طبيعة استفزازية كان هو والحكومة عموما بغنى عنها”.

– التداول مع “حزب الله” عبر قنوات التواصل والاتصال المعتادة في موضوع وقف التساجل والردود التي كان لافتا ان الحزب اتبعها الاحد الماضي عبر تصريحات وتغريدات لأربعة من رموزه وذلك بغية تبريد الاجواء الساخنة و”سحب الذرائع “، لانه يفترض بالحزب الذي بذل جهودا استثنائية وقدم تسهيلات لرؤية الحكومة الحالية تولد، ان يكون مهتما ومعنيا إلى اقصى الحدود بالحيلولة دون انفراط عقد هذه الحكومة او تحولها إلى حكومة تصريف اعمال قاصرة بطبيعة الحال عن تأدية المهمات الثلاث المحورية والتي توافق الجميع ضمناً على اولويتها، وهي العمل على معالجة عاجلة للكهرباء والتأسيس لحوار مثمر انطلقت فصوله مع صندوق النقد الدولي، ومن ثم الاشراف على عملية الانتخابات النيابية التي يتعامل معها الداخل والخارج بأهمية بالغة.

– التواصل مع الرئاستين الاولى والثانية بغية توفير سبل الدعم وتأمين المساندة للرئيس ميقاتي ومشاركته في مواجهة جدية للموقف المتدهور منذ ايام.

وإذا كان جلياً ان الرئاسة الاولى وفريقها السياسي، اي “التيار الوطني الحر”، ما لبث ان انزاح إلى مربع النأي بالنفس بعد انفجار قضية موقف قرداحي مع خطوة اخرى تجلت في السماح لأصوات من كتلة التيار تحض قرداحي على الاستقالة الطوعية مقدمة لازمة لمعالجة الموقف، فانه لاحقا اتخذ موقفا ملتبسا وأقرب إلى الرمادي.

وعليه فانه يمكن بناء على هذه الاعتبارات النفاذ إلى خلفيات موقف الرئيس بري وحركته السياسية وصمتهما المدوّي ومحاكاته. لذا فليس مستبعدا ان يكون الرئيس بري ينتظر عودة الرئيس ميقاتي لينطلق واياه في رحلة معالجة جدية يضطلع فيها سيد عين التينة بدور “قطب الرحى” من خلال “مَونته” على حليفه “حزب الله”، ومن خلال ما تمثله عين التينة عند فرنجية من مرجعية تاريخية، فضلاً عن نظرة المنظومة الخليجية الايجابية له ولدوره وموقعه. وعموما يبدو ميقاتي عازما على وضع جميع مكونات حكومته امام مسؤولياتهم قبل ان يتخذ الموقف النهائي والحاسم والمنطوي على كل الاحتمالات بما فيها الاستقالة. فميقاتي مع ادراكه ان الامور باتت تتعدى مسألة موقف او تصريح اطلِق من هنا او من هناك، فانه سيكون في قابل الايام على قدر من الجرأة ليطلع شركاءه في الحكومة اولا على مضامين لقاءاته المكثفة مع المسؤولين العالميين الكبار الذين التقاهم على هامش قمة المناخ، ويبلغ إليهم انه يحمل في الحصيلة توجهات عامة وخطوطا عريضة من شأنها ان تشكل المدخل الضروري لمعالجة الموقف ووضع حد للازمة، خصوصا ان من مصلحة كل الاطراف ان تدرك ان حكومة اصيلة وقادرة على الحراك والانتاج هي أفضل للجميع. والثابت بحسب المصادر عينها ان المسألة ليست بالضرورة مفتوحة، فهو وان كان يعلن إلى الآن انه مستمر في دوره ومهمته، إلا ان الامر يصبح بلا معنى لاستمراره إذا ما وجد ان الحكومة باتت محاصرة من الداخل والخارج على السواء.