نضحي بالوزير أم بالحكومة.. هل ينجح رهان ميقاتي على أمريكا ومصر لإقناع السعودية بحل أزمة قرداحي؟

“استقالة جورج قرداحي أم استقالة الحكومة؟”.. يبدو أن هذه أصبحت المعادلة الجديدة في لبنان بعد إعلان وزير الإعلام اللبناني جورج قرداحي أنه لن يستقيل أو يعتذر عن تصريحاته التي قالها قبل توليه منصبه بفترة قصيرة وزعم فيها أن الحوثيين في اليمن يدافعون عن أنفسهم ضد السعودية والتحالف العربي.

وكانت السعودية رداً على هذه التصريحات قد، استدعت سفيرها في بيروت، وأمهلت السفير اللبناني لدى الرياض 48 ساعة لمغادرة البلاد.




وبحسب بيان لوزارة الخارجية السعودية قررت المملكة أيضاً وقف دخول كافة الواردات اللبنانية إلى أراضيها، واتخذت عدة دولة خليجية مواقف مشابهة، ما قد يُلحق ضرراً كبيراً بالاقتصاد اللبناني الذي يعتمد بشكل كبير على التصدير لدول الخليج لاسيما الفواكه والخضراوات.

استقالة جورج قرداحي كانت الخيار الأول، فلماذا رفض تقديمها؟

وبعد أن بدا أنه كانت هناك تلميحات من قبل مسؤولين حكوميين بإمكانية استقالة جورج قرداحي، بما فيه تصريح للبطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي، دعا فيها الرئيس اللبناني ميشال عون ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي إلى اتخاذ “خطوة حاسمة” لحل الأزمة مع دول الخليج.

وأفادت تسريبات لبنانية بأن ​البطريرك الماروني تمنى من ​وزير​ الإعلام ​جورج قرداحي​ ال​استقالة​، فطلب الأخير الاستحصال على ضمانات خليجية بأن الاستقالة ستؤدي إلى انفراج، حسبما ورد في تقرير لموقع النشرة اللبنانية.

وتفيد تقارير لبنانية عدة بأن الرئيس اللبناني ميشال عون ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي ميالان منذ اللحظة الأولى إلى استقالة قرداحي واستيعاب “الغضب السعودي” كما جرى مع وزير الخارجية شربل وهبة، الذي أقيل بعد هجومه على محلل سعودي بوصفه أنه بدوي.

ولكن في المقابل، من الواضح أن حزب الله وتيار المردة أقرب حلفائه المسيحيين يرفضان استقالة جورج قرداحي.

وفي هذا الإطار، قال رئيس تيار المردة النائب السابق سليمان فرنجية الذي يعد قرداحي ممثله في الحكومة، إنه ترك لجورج قرداحي الحرية في اتخاذ القرار المناسب، وأبدى موقفاً داعماً له ولتصريحاته التي لم يخطئ فيها.

وأكد فرنجية انقسام تحالف “الثنائي الشيعي” والعهد و”التيار” و8 آذار والتباين في المواقف مع استقالة جورج قرداحي وضدها.

في المقابل، كان موقف حزب الله ومنذ اللحظة الأولى ضد استقالة جورج قرداحي أو إقالته لكن الحزب لم يلوّح بأي استقالة من الحكومة في حال استقالة قرداحي.

وأصر “حزب الله” على استفزاز السعوديين وإشعال الأزمة عبر إصدار بيان وصف فيه موقف قرداحي بـ”الشجاع والشريف”، كما رفض أيّ دعوات لإقالته، بوصف ذلك “اعتداءً سافراً” على “السيادة” في لبنان.

 مأزق نجيب ميقاتي الشخصي

وتفيد تقارير بأن نجيب ميقاتي تلقى اتصالات من الغرب ومصر تحثه على عدم الاستقالة، في ظل النظر لحكومته باعتبارها تمثل فرصة نادرة لإنهاء الأزمة الاقتصادية اللبنانية الخانقة.

ولكن من الواضح أن قرار ميقاتي بعدم الاستقالة كان نابعاً من توجه عام بأن استقالة جورج قرداحي هي الحل، ولكن هذا لم يحدث.

وتوترت العلاقة بين الرجلين، فقد صدر عن المكتب الإعلامي لميقاتي تصريح لقناة “الجديد” اللبنانية أكد فيه أنه لا صحة للكلام المنقول عن وزير الإعلام جورج قرداحي لرئيس الحكومة، ولم يجر أي اتصال في هذا الصدد، وذلك بعد أن ذكرت القناة أنه في آخر اتصال جرى بين ميقاتي ووزير الإعلام أكد قرداحي لرئيس الحكومة أنه: “لا أنا سأستقيل ولا حكومتك ستطير”. وسأله: “هل تضمن أن حكومتك ستبقى على حالها إذا قدمت استقالتي؟”.

وهنا يزداد مأزق ميقاتي حدة، وهو مأزق لن يقتصر على العقوبات الاقتصادية التي فرضتها دول الخليج على لبنان، وهي عقوبات يعتقد بأنها ذات تأثير كبير جداً في ظل الأزمة الاقتصادية في لبنان واعتماد اقتصاده على الصادرات لدول الخليج بشكل كبير.

ولكن يزداد المأزق بالنظر إلى أن خطة حكومة ميقاتي للخروج من الأزمة الاقتصادية تعتمد بالأساس على الدعم الغربي والخليجي ولاسيما السعودي، وبالتالي فإن عزوف دول الخليج عن مساعدة لبنان يعني فشل الخطط الدولية المقترحة لإنقاذ البلاد من أزمة وصفها البنك الدولي بأنه أسوأ أزمة عالمية منذ 150 عاماً.

وقبل هذه الأزمة كانت القوى الدولية المعنية بلبنان تحث السعودية على العودة للعب دور إيجابي في لبنان بعد تشكيل حكومة ميقاتي التي أكدت حرصها على العلاقات مع دول الخليج، ولكن السعودية كانت تبدي عدم اكتراثها وتعتبر أن لبنان أصبح خاضعاً بالكامل لحزب الله، وجاءت أزمة قرداحي لتثبت ذلك، حسبما ورد في تقرير لموقع قناة الحرة الأمريكية، وأعطت السعودية فرصة للانتقام من حزب الله عبر لبنان.

وهناك مؤشرات على أن الأزمة جزء من التنافس السعودي الإيراني في المنطقة، خاصة أن المفاوضات التي تدور بين طهران والرياض بوساطة العراق لم تثمر شيئاً حتى الآن، وبالتالي فإن السعودية في مواجهة التعنت الإيراني في اليمن فإنها تضغط على حزب الله عبر معاقبة لبنان باعتباره الحاكم الفعلي للبلاد، وخاصة أن السياسة السعودية تنأى بنفسها تماماً عن السنة وبالأخص تيار المستقبل، وبالتالي فإن أي انتقام من قبل حزب الله ضد المستقبل لم يعد يمثل وسيلة ضغط على الرياض التي تجاهر بأن حليفها الحصري في لبنان هو رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع.

وكشفت مصادر لصحيفة “الأخبار” اللبنانية أنه “فُهم أنّ استقالة ​جورج قرداحي​ وزير الإعلام اللبناني أو إقالته ستعيد العلاقة اللبنانية السعودية إلى مرحلة ما قبل كلامه، أي أنّ الرياض باقية على موقفها من الحكومة وعدم تقديم أيّ مساعدة للبنان، وليس كما كانت مزدهرة من قبل.

فالإقالة أو الاستقالة، تعني فقط وقف الإجراءات الدبلوماسيّة الأخيرة وعدم قطع العلاقات”، مشيرةً إلى أنّ “الرياض، في مواجهة رفض الاستقالة، بدأت بوضوح “إجراءات الطلاق” مع ​الدولة اللبنانية​ بكلّ مؤسّساتها، وهي تنوي رفع مستوى الحصار من خلال فرض عقوبات على كيانات وشخصيّات لبنانيّة، بتهمة العمل ضدّ مصالحها أو دعم ​الإرهاب​ في الجزيرة العربية. وستقفل الأبواب أمام أي نوع من الدعم للبنان”.

وذكرت مصادر معنيّة أنّ “السعوديّة قد تطلب من القوى الحليفة لها في لبنان، مثل حزب “القوات اللبنانية” و”​تيار المستقبل​”، الاستقالة من المجلس النيابي وتعطيل المجلس لا الحكومة فقط”.

الحل الأفضل لميقاتي

بالنسبة لميقاتي نفسه، فإن الاستقالة قد تكون الحل الأفضل في مواجهة أزمة تمثل له مشكلة شخصية.

فلعقود ظل ميقاتي الشخصية الأقل وضوحاً في مواقفها في السياسة اللبنانية والأنجح في السياسة والأعمال.

فالرجل يوصف بأنه مقرب لسوريا وقوى 8 آذار بقيادة حزب الله ولكن دون فجاجة.

فقد حرص دوماً على عدم الإدلاء بتصريحات مستفزة للسعودية أو المشاعر السنية في لبنان، والحفاظ على علاقة جيدة مع دول الخليج، ولكنه ظل واقعياً البديل الجاهز للحريري الذي يتقدم به حزب الله كمرشح لرئاسة الحكومة إذا وقع خلاف بين الحزب وتيار المستقبل.

ولكن إذا انحاز ميقاتي لموقف حزب الله المؤيد لبقاء جورج قرداحي، فإنه لن يخاطر فقط بإفشال أي محاولة لإنقاذ البلاد، ولكن سيهدد مساره الشخصي للبقاء على الحياد ولو شكلياً في النزاع بين السعودية وإيران وحزب الله، وهو ما سيضعف موقفه كرئيس وزراء سُني ليس فقط أمام دول الخليج بل أمام الطائفة السنية في لبنان المتشككة في ولاءاته أصلاً والتي ما زالت تنظر للسعودية باعتبارها مرجعية السنة في المنطقة حتى لو كانت الرياض قد تخلت تماماً عن دعم سنة لبنان.

وفي الوقت ذاته، فإن من الواضح أن هناك ضغوطاً غربية ومصرية على ميقاتي لعدم الاستقالة حتى لا تعود جهود تشكيل الحكومة لنقطة الصفر، في المقابل يحاول ميقاتي والرئيس عون إلقاء الكرة في الملعب الفرنسي والأمريكي بدعوتهم إلى إقناع السعودية بحل الأزمة عبر التهدئة.

المشكلة أن السعودية بعد أن تسلقت سلم التصعيد لا يسهل عليها النزول دون مقابل، كما أنه في حقيقة الأمر وفقاً للسياسة السعودية الجديدة فهي لن تعاني من خسائر جراء هذا الموقف من لبنان، بل حزب الله هو الخاسر عبر تحميله مسؤولية التدهور المتوقع في أزمة البلاد، وبالتالي ليس لديها حافز للاستجابة لضغوط الأصدقاء الكبار مثل باريس وواشنطن للتهدئة في ظل اقتناع هؤلاء الأصدقاء أنفسهم بأن لبنان خاضع لحزب الله بالفعل.

وفي هذا الإطار، قد لا تؤدي المواقف الأمريكية الداعمة لحكومة ميقاتي مثل دعوة المتحدث باسم الخارجية الأمريكية، السعودية ودول الخليج للتواصل مع الحكومة اللبنانية لحل الخلاف إلى إقناع السعودية بتغيير موقفها.

من جانبه، فإن حزب الله يبدو حريصاً على الخروج بمظهر الداعم لحلفائه مثل قرداحي مهما كان الثمن، وبينما دعت معظم الأوساط المسيحية القريبة من قرداحي الرجل للاستقالة أو على الأقل تركت له حرية التصرف، فإن الحزب كان الأكثر وضوحاً في رفض استقالة قرداحي بل يجرى تحويله إلى بطل جديد للمحور الإيراني في المنطقة.

سيناريوهات الأزمة

والنتيجة أن هذه الأزمة ستضيف إلى كاهل حكومة ميقاتي مزيداً من الأعباء، ويصبح أمامها عدة سيناريوهات أغلبها متشائمة:

–      أولها سيناريو استقالة جورج قرداحي: وهو سيناريو بات مستبعداً إلى حد كبير رغم أنه كان يمكن أن يكون الأقل في الخسائر، والأسهل، ولكن بعد تصعيد قرداحي وحزب الله فإنه ليس هناك مؤشرات على إمكانية حدوثه قريباً على الأقل.

–      سيناريو التهدئة السعودية: وهو سيناريو يراهن على ضغط غربي ومصري على الرياض، للتهدئة بدون شرط استقالة قرداحي واحتمالاته متوسطة، بالنظر إلى محدودية أوراق الضغط في يد فرنسا ومصر خصوصاً على الرياض، كما أن الدول الثلاث المعنية بالأزمة واشنطن وباريس والقاهرة، لديها قضايا عالقة أو مشتركة مع السعودية أكثر أهمية من لبنان، وبالتالي فإنها لن توظف أكثر من ضغوط معنوية ومحاولات إقناعية مع القيادة السعودية، في مقابل استياء واضح من هذه القيادة من لبنان واعتبارها أن الاستثمار فيه خلال العقود الماضية كان خطأ فادحاً، ويمكن القول إن نجاح هذا الرهان يتوقف بشكل كبير على الأهمية التي توليها إدارة بايدن لحل الأزمة اللبنانية وبالتالي مقدار الضغوط التي ستمارسها على الرياض في هذا الشأن.

–      سيناريو استقالة حكومة ميقاتي: وهو سيناريو كان مستبعداً، في ظل الضغوط الخارجية والداخلية على ميقاتي للبقاء، ولكن قلق الرجل على علاقته الشخصية المتوترة أصلاً مع دول الخليج، إضافة إلى أن وضعيته كزعيم سني في البلاد قد تدفعه لاتخاذ هذا القرار.

–      سيناريو بقاء الحكومة وقرداحي دون ترضية قوية للسعودية: وهو سيناريو قد يدفع البلاد لأزمة داخلية في حال تصعيد حلفاء السعودية مثل حزب القوات اللبنانية أو تيار المستقبل أو انسحابهم من الحكومة، وحتى لو لم يحدث ذلك فإن هذا السيناريو يعني استمرار العقوبات الاقتصادية الخليجية على لبنان واستبعاد دور خليجي في إنقاذ اقتصاده.

–      سيناريو التهدئة المطاطة: قد يتم عبر محاولة مطّ الأزمة دون حل واضح مع عمل ميقاتي وعون على محاولة ترضية السعودية، واستمرار تعطيل جلسات الحكومة إلى أن تمر العاصفة، وفي الأغلب هذا السيناريو لن يؤدي لرفع العقوبات السعودية على لبنان، ولكن قد يمنع انفجار الحكومة، وسيؤخر محاولات حل الأزمة المالية اللبنانية بشكل حاسم.