أي “منزلق كبير” يخشاه ميقاتي وغيره؟

سابين عويس – النهار

دخلت إجراءات دول الخليج العقابية في حق لبنان حيز التنفيذ، على خلفية تصريحات وزير الإعلام #جورج قرداحي في حق المملكة العربية #السعودية و#الإمارات، فيما لا تزال السلطات اللبنانية تدور في مكانها حيال الاجراءات المطلوبة منها لاحتواء تداعيات الازمة الدبلوماسية الناشئة مع دول الخليج، وسط حال من الانقسام الشديد في الرأي حول ماهية تلك الاجراءات التي تمكن البلد من الالتفاف على العزلة المفروضة عليه، من دون ان يكون ثمن ذلك استقالة الحكومة، بعدما بات واضحاً ان قرداحي لن يقدم على الاستقالة، مدعوماً من “#حزب الله”.




مع كل تقدم في الإجراءات الخليجية، يضيق هامش المناورة محلياً، ويضيق معها الخناق أكثر على القطاع الاقتصادي اللبناني الذي يدفع وحده ثمن السياسات العشوائية المتبعة، التي تضرب عرض الحائط مصالح لبنان الاقتصادية، كما مصالح ابناءه في دول الانتشار العربي، او قطاعاته الانتاجية التي بدأت منذ صباح أمس تواجه اقفال الاسواق الخليجية في وجهها، حتى لطلبات سبقت الازمة، وتم تحضيرها للشحن.

واذا كان رئيس الحكومة نجيب ميقاتي الموجود في غلاسكو للمشاركة في قمة المناخ العالمية يستغل هذه المناسبة للتحرك في اتجاه الدول الكبرى والنافذة، وكان له في هذا السياق امس عدة لقاءات بارزة، مع توقع لقاء مع وزير الخارجية الأميركي اليوم، فإن نشاط رئيس الجمهورية الموزع امس اقتصر على الاشارة الى متابعة الرئيس لتداعيات الازمة، من دون ذكر الجهات التي تمت المتابعة معها، باستثناء اتصال برئيس الحكومة ولقاء بسفير أوكرانيا والنائب جميل السيد، او ما أثمرته تلك المتابعة من قرارات او اجراءات يمكن التعويل عليها للخروج من المأزق.

في غلاسكو، محاولات ميقاتي الحثيثة على خطي باريس وواشنطن لم تنجح حتى الان في تحقيق اي خرق على المحور السعودي، الرافض كلياً مناقشة الملف اللبناني. الا ان مصادر مواكبة للزيارة اكدت ان المحادثات التي اجراها ميقاتي ولا سيما على الضفة الاميركية والفرنسية أثمرت ضغوطا من اجل تخفيف حدة الاجراءات الخليجية أو على الاقل تجميد بعضها، في انتظار استكمال مساعي التهدئة.

وفي انتظار ما سيسفر عنه لقاء ميقاتي بوزير الخارجية الاميركية أنطوني بلينكن، علم ان الشرط الذي تضعه المملكة لاستئناف اي بحث في الملف اللبناني يجب ان ينطلق من استقالة او اقالة قرداحي. وامام تمسك الاخير بعدم الاستقالة، مستندا الى دعم فريقه السياسي بقيادة “حزب الله”، فإن الازمة ذاهبة الى مستوى أعمق وأخطر، دافعة البلاد الى منزلق كبير، حذر ميقاتي نفسه منه، كاشفاً أنه اذا لم يتم تداركه سنكون وقعنا في ما لا يريده احد منا”. هذا الكلام الذي نقل عن ميقاتي في رسائل نصية مع الوزراء أمس أبدى فيها خشيته من تطور الامور نحو الأسوأ، يعكس حجم المأزق الحكومي الذي بلغه الوضع، في ظل عدم بروز اي بارقة حل في الأفق المقفل كلياً حتى الساعة، بعدما تجاوزت المسألة قرداحي وحرية الرأي والتعبير التي يتمسك بها فريقه في الدفاع عنه، لتصبح ازمة سياسية حادة غير قابلة للفلفة على الطريقة اللبنانية، تختصر جوهر الصراع السعودي الايراني الذي اتخذ اخيرا من لبنان ساحة مكشوفة له.

والواقع كما تقول مصادر سياسية متابعة، ان لبنان انزلق في الكامل الى هذا الواقع، وليس صحيحاً ان لا أحد يريده، كما قال ميقاتي، باعتبار ان هناك فريق لا يقيم لهذا المنزلق حساباً. وتقول ان الازمة اليوم هي عملياً نتيجة التراكمات الناجمة عن سياسات الاهمال والمماطلة في التعاطي بجدية مع التهديدات الخليجية، وهي كناية عن الانفجار الكبير الذي كان يُخشى ان تصل اليه البلاد، وهي كانت على قاب قوسين منه، لكن تشكيل حكومة ميقاتي أجٓله، ولكن من دون ان يلغيه. والدليل ان هذه الحكومة وخلافاً لكل الحكومات، لم تحظ بفترة سماح لتقلع او لالتقاط الانفاس، فانفجرت في وجهها كل الازمات، ما بات يهدد مصيرها وقدرتها على الاستمرار. وهذا الوضع الذي يشبه بخطورته، كارثة انفجار المرفأ يضع البلاد امام مرحلة مفصلية ينزلق فيها الى محور خارج عن محوره العربي الطبيعي، مع كل يكبده ذلك من خروج عن الامتداد العربي، وما يعنيه من دور للبلد في محيطه.

هل هذا هو المنزلق الذي يحذر منه ميقاتي؟

تجيب مصادر قريبة من رئيس الحكومة ان الاخير وفي معرض حديثه مع وزراء في حكومته أعرب عن قلقه من ان يتطور الوضع الى مزيد من السلبية مع دول الخليج، بحيث يصبح من الصعب جداً العودة الى الوراء. ولا يحسد ميقاتي على الموقف الذي وُضع فيه لجهة التنازع بين الحفاظ على الحكومة وبين ارضاء المحيط العربي من دون اثارة “حزب الله” ومن وراءه في الخارج. وهي مهمة يصب فيها تدوير الزوايا او الالتفاف عليها من دون أثمان وانزلاق باهظة، ربما هي نتيجة سياسة غض الطرف التي اعتمدها ميقاتي منذ اليوم الاول لتشكيل حكومته.

والمعروف أن ميقاتي كان نصح قرداحي بكلام مبطن بالاستقالة، كما فعل البطريرك الماروني الذي دخل على خط المعالجة ايضاً. ولكن الواقع ان المسألة لم تعد في يد قرداحي نفسه او حتى الفريق الذي سماه اي رئيس “المردة” سليمان فرنجيه، بل تحولت الى قرار من قيادة حزب الله بالمواجهة، وهو قرار لن يتراجع عنه، ما لم تتبلور اي تسوية واضحة لموقع ونفوذ الحزب في لبنان والتسليم الخارجي لتلزيم البلد إلى طهران.