هل مصير لبنان اليوم في يد سليمان فرنجيه؟

سركيس نعوم – النهار

رئاسة الجمهورية كانت حلم الزعيم الزغرتاوي رئيس “تيار المردة” والنائب والوزير السابق سليمان طوني سليمان فرنجية، مثلما كانت وستبقى دائماً حلم أي شخصية سياسية مسيحية مارونية أو أكاديمية أو حزبية أو عسكرية أو من فئة رجال المال والأعمال. لكنه لم يكن مبنياً على أوهام. فهو حليف سوريا الأسدين المؤسس حافظ والوارث بشار تماماً مثلما جدّه الذي انتُخب رئيساً عام 1970. هو في الوقت نفسه حليف “#حزب الله” الموثوق في الوقت نفسه من سوريا المذكورة والإبن البار جداً لمؤسّسته الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وقد ساهم الفراغ الرئاسي الذي أعقب انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان واستمر سنتين وخمسة اشهر من مرحلة تحقيق حلمه. ذلك أن حلفاءه في مجلس النواب وفي دمشق وطهران رفضوا وبقوة وصول رئيس “القوات ال#لبنانية” الى رئاسة الدولة رغم انتمائه الى غالبية نيابية في حينه كانت تضم أطراف مجموعة 14 آذار “السيادية”. فضلاً عن أن الغالبية المذكورة لم تكن كافية لإيصاله الى قصر بعبدا لاعتبارات تتعلق بالقوانين التي ترعى الانتخابات الرئاسية والدستور. دفع ذلك حلفاء لجعجع وفي مقدمهم زعيم “تيار المستقبل” سعد الحريري الى البحث عن مرشّح آخر يستطيع الحصول على الأكثرية النيابية الناخبة المطلوبة. وكان سليمان فرنجية، فاختاروه مرشحاً أولاً لأنه حليف دمشق و”حزب الله”، وثانياً لأنه عاقل أطفأ صراعاً دموياً مسيحياً دفع ثمنه والده وأمه وشقيقته الصغيرة وأنصار له كثيرين مع أحد أبرز أركان 14 آذار، وثالثاً لأنه يُبعد عن الرئاسة الأولى ميشال عون صاحب التاريخ الحافل بالتقلب والانقلاب على المواقف والحلفاء، فضلاً عن أنه مهووس بكرسي الرئاسة ومستعد لأن يضحي في سبيلها بكل شيء، ورابعاً لأنه يوحي الثقة للناخبين الكبار وهم دائماً غير لبنانيين. وبدأوا العمل ونجحوا خلال وقت معقول في الحصول على موافقة الفاتيكان وفرنسا والولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية على ترشيحه. لكنهم لم يفكّروا يوماً أن حليفيه وهما ناخبان كبيران أيضاً أي سوريا و”حزب الله” يمكن أن يتخليا عنه كرمى لعون. غير أن ذلك حصل جرّاء إصرار “الحزب” على الأخير ومعه إيران وإبلاغ الأسد فرنجية أن عليه يُقنع “السيد حسن نصرالله” بذلك أو بالأحرى أن يفاتحه فيه. لكنه لم يفعل وعندما همّ بإبلاغه كان الموقف السلبي منه قد تكوّن إذ ساورت “الحزب” الشكوك والظنون وخصوصاً بعدما رأى إجماع الفريق المعادي له من الناخبين الكبار على فرنجية. طبعاً هذا تاريخ أو جزء من تاريخ، لكنه لم يقضِ على حلم فرنجية بالتربّع على كرسي رئاسة الجمهورية. وها هو اليوم مرشّح جدّي لن يرفضه “حزب الله” وأسد دمشق وربما ناخبون كبار آخرون. السبب تمسّكه، رغم مرارة خسارته ترشيح حلفائه قبل سنوات، بالحلف مع “الحزب” ودمشق ورفضه الانقلاب عليهما رغم المغريات الخارجية الكثيرة. والسبب أيضاً تمسّكه بموقفه المعادي لعون الرئيس وصهره باسيل وقرّبه ذلك من الجهات الرافضة لهما في قصر بعبدا. والسبب أخيراً أنه لم يمارس سياسة الشتم والبهورة مع أخصامه في المعسكر اللبناني الآخر وأبقى خطوطه مفتوحة مع الجميع.




هل يُصبح هذه المرة سليمان فرنجية رئيساً لجمهورية لبنان؟ الحقيقة استناداً الى معلومات جهات متابعة ومطلعة جداً تفيد أن فرنجية الحفيد مرّ بطلعات ونزلات عدّة على هذا الصعيد. فتارة يلقى تشجيعاً مباشراً من الأسد للاستمرار في السعي الى الرئاسة، ومرة يتلقى منه دعوة الى التشاور مع “السيد”، ومرة ينصحه بالتخلّي عن هذا الحلم أو الطموح. لكنه في الآونة الأخيرة تلقى على ما يبدو من دمشق تشجيعاً وأيضاً من “السيد وحزبه”. كما فُسّر كلام الأول الإيجابي جداً تجاهه بالمقارنة مع كلامه عن مرشّح عون صهره باسيل. طبعاً ليست الانتخابات الرئاسية غداً والطريق اليها ليست سهلة. فهناك انتخابات نيابية في 27 آذار المقبل ثم الانتخابات الرئاسية في تشرين الأول من السنة نفسها. ولا أحد يستطيع تأكيد حصول الاستحقاق الأول والأثر السلبي لذلك على حصول الاستحقاق الثاني، ولا سيما بعد الانهيار الشامل لدولة لبنان بكل مؤسساتها ولغرق شعوبه في الانقسام والفقر والفوضى المتنوّعة واقترابها من مرحلة الاضطراب الأمني الكبير وربما الحرب الأهلية. كما بعد تخلّي دول مجلس التعاون الخليجي عن لبنان مجتمعة بمقاطعته في كل المجالات وظهور مؤشرات على احتمال إفقاده مقعده في جامعة الدول العربية. هذا التطور الأخير تسبّب فيه وزير الإعلام جورج قرداحي بعد نشر فيديو له صوّر في آب الماضي وفيه انتقاد بل تهجّم على السعودية. من شأن ذلك إيقاع لبنان في الفراغ الرئاسي وفي عودة اللبنانيين الى الانقسام وربما الى التقاتل، وتشجيع إسرائيل على توجيه أو أكثر لا حرباً الى لبنان. كما تشجيع اللبنانيين المختلفين على كل شيء رغم وحدة جوعهم وفقرهم و… على ممارسة الإدارة الذاتية عملانياً في مناطقهم.
من أجل تلافي ذلك يعتقد لبنانيون كثيرون أن تمسّك “حزب الله” بعون وباسيله لم يعد ممكناً وربما مضموناً، وأن إعطاء فرصة لسليمان فرنجية كي يصل الى الرئاسة بدعم داخلي وخارجي واسع ربما يُعطي أملاً وإن غير كبير في الأول في وقت التنقّل من جهنم الى أخرى وهكذا دواليك. يعتقدون أيضاً أن الحل أو بدايته للوضع اللبناني قد يكون في يد فرنجية. فهناك ما يُسمّى “سبب دولتي” Raison D’etat كي يسهّل استقالة قرداحي الذي يمثّله في الحكومة مع حفظ كرامته. وأن يساهم في الوقت نفسه في إيجاد حل مع حليفه “حزب الله” يسمح لمجلس الوزراء بالعودة الى الانعقاد بعد اختلاف أعضائه على مسؤولية ما حصل في الطيونة وعين الرمانة أخيراً، وبعد تفاقم رفض حلفائه المحقّق العدلي في تفجير مرفأ بيروت أو انفجاره طارق البيطار وسعيهم الى مساواة حادثة الطيونة بتفجير المرفأ على لا معقولية ذلك.

هل يحمّل هؤلاء اللبنانيون سليمان فرنجية المرشح للرئاسة ما لا طاقة له على حمله؟ ربما، لكنهم لا يفعلون ذلك بسوء نيّة أي برغبة في إفشاله وتالياً منعه من تحقيق حلمه الرئاسي. بل لأنهم يهتمون لوطنهم ولأنهم يعتقدون أن فرنجية يستطيع أن يُنتخب رئيساً عادياً ومحدوداً للجمهورية. لكن هل ذلك طموحه؟ أم أنه سيريد أن يترك بصمة؟ والبصمة تكون في توظيف علاقاته كلّها لتجنيب لبنان الإنهيار الكامل ولمنع تحوّله “دولة جربانة” يتجنّبها الجميع، وللحؤول دون تحوّل شعبه غير مرغوب فيه في محيطه والعالم. فلبنان لا يستطيع أن يُكمّل من دون دعم العرب والغرب وإيران أيضاً. أما الاكتفاء بدعم الأخيرة فلا بد أن يعرّضه الى الزوال.