لبنان مهدّد بعزلة عربية واستقالة قرداحي مدخل للحل واستعلاء حزب الله والعهد يقود البلد إلى الانهيار

 فيما الحكومة اللبنانية تتخبّط على وقع امتناع وزراء الثنائي الشيعي عن المشاركة في جلساتها إلى حين البت بموضوع إقالة المحقق العدلي في قضية تفجير مرفأ بيروت القاضي طارق البيطار، فقد جاءت ضربة وزير الإعلام جورج قرداحي لتزيد من تخبّط الحكومة وتضع رئيسها نجيب ميقاتي أمام مطب كبير يتمثل بكيفية ترميم علاقات لبنان العربية وخصوصاً مع الدول الخليجية وفي طليعتها المملكة العربية السعودية التي اتخذت أقسى قرار بطرد السفير اللبناني لديها ووقف الواردات من لبنان واستدعت سفيرها في بيروت وليد البخاري للتشاور ولجوء دول أخرى كالبحرين والكويت إلى إتخاذ قرارات مماثلة، في وقت أعربت جامعة الدول العربية عن «قلقها من تدهور العلاقات اللبنانية الخليجية» ورأت أنه «كان على لبنان نزع فتيل الأزمة بعد تصريحات وزير الإعلام وليس تزكية النار، إذ كان ينبغي أن تعالج لبنانيًا بشكل مختلف» معتبرة أن «هناك أطرافًا لديها مصلحة في تفكيك علاقات لبنان بالدول العربية».
وتفاقمت المشكلة بعد بيان لحزب الله داعم للوزير قرداحي حيث وصف موقفه بـ»الشجاع والشريف» ورفض إقالته، الأمر الذي أسفر عن مزيد من التعقيدات وتسبّب بحرب بيانات مع «تيار المستقبل» ورئيسه سعد الحريري الذي كان نأى بنفسه عن الدخول في سجالات سياسية مع الحزب منذ استقالة حكومته إثر انتفاضة 17 تشرين الأول/أكتوبر مروراً بإعادة تكليفه بتشكيل الحكومة واصطدامه بالعهد وتياره، حيث أخذ حلفاء سابقون للحريري عليه تقرّبه من الثنائي الشيعي وصولاً إلى أحداث الطيونة عين الرمانة حيث كان موقف سعد الحريري عمومياً، واكتفى برفض إعادتنا إلى صور الحرب الأهلية البغيضة من دون أن يأتي على ذكر حزب الله أو يدين اقتحام عين الرمانة بالسلاح كما حصل في اجتياح بيروت في 7 ايار/مايو.

طفح الكيل
وكان لافتاً أن الرئيس سعد الحريري خرج عن صمته في هذه الأزمة المستجدة مع السعودية وأطاح بالهدنة بينه وبين حزب الله بعد وصول الأوضاع إلى هذا الدرك من إنعدام المسؤولية وتعريض علاقات لبنان بأشقائه العرب ومواصلة سياسة الاستقواء. وبدا الحريري غاضباً مما وصفها «سياسات رعناء واستعلاء باسم السيادة والشعارات الفارغة التي قرّرت ان تقود لبنان إلى عزلة عربية غير مسبوقة في تاريخه». ولم يتورّع الحريري عن تحميل المسؤولية أولاً وأخيراً لحزب الله الذي اتهمه «بشهر العداء للعرب ودول الخليج العربي» من دون أن يوفّر العهد الذي «يسلّم مقادير الأمور لأقزام السياسة والإعلام والمتطاولين على كرامة القيادات العربية» على حد تعبيره.
أكثر من ذلك، توجّه الحريري بانتقاد ضمني لاذع للأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله الذي اشتهر بالتهديد برفع الأصبع فقال «تريدون دولة ذات سيادة وكرامة وطنية، ارفعوا يد إيران عن لبنان ، واوقفوا سياسات الاستكبار ورفع الأصابع وتهديد اللبنانيين بوجود جيش يفوق عدة وعدداً جيش الدولة ومؤسساتها الامنية والعسكرية «
وهكذا ومع سقوط الهدنة على جبهة «المستقبل» حزب الله وعودة الاشتباك السياسي بعدما «طفح كيل» التيار الأزرق من «السياسات العشوائية للحزب كرمى لسياسات إيران» فهذا الاشتباك مضافاً إليه القرار السعودي وقرار دولتي البحرين والكويت والخوف من عزلة لبنان العربية سيترك تداعياته الكبيرة على الحكومة الميقاتية التي باتت مترنّحة وأمام خيارين أحلاهما مرّ: فإما يلجأ رئيسها لممارسة كامل الضغط لفرض استقالة أو إقالة وزير الإعلام وما يخلّفه هذا القرار من تداعيات على علاقاته بحزب الله و»تيار المردة» وإما تتحوّل الحكومة إلى حكومة شبه مستقيلة أو معزولة عربياً ودولياً، وتتم الإطاحة بكل الآمال على خطة التعافي للخروج من المأزق الاقتصادي والمالي والحد من الازمة الحياتية والمعيشية ويتم الهرولة نحو جهنّم التي بشّر بها الرئيس ميشال عون.
وفي وقت تردّد أن الرئيس نجيب ميقاتي على عتبة الاستقالة وقد يسبقه وزيران محسوبان على «تيار المستقبل» فقد رشح عن اجتماع خلية الأزمة التي طلب ميقاتي تشكيلها لمواكبة لمتابعة الأزمة المستجدة مع السعودية ودول الخليج أن لا توجّه للاستقالة، وكشف وزير الخارجية عبد الله بو حبيب بعد اجتماع الخلية الذي إنضم إليه القائم بأعمال السفارة الأمريكية في لبنان ريتشارد مايكلز لمدة نصف ساعة «أن أطرافاً دولية دعت الرئيس ميقاتي إلى إستبعاد خيار الاستقالة عن الطاولة».




العهد والدويلة
وبدا أن خلية الأزمة التي ضمّت وزير الداخلية والبلديات بسام المولوي ووزير الاقتصاد امين سلام ووزير المالية يوسف خليل ووزير التربية والتعليم العالي عباس حلبي ومدير عام القصر الجمهوري انطوان شقير تعوّل على وساطة كل من فرنسا والولايات المتحدة مع السعودية للتراجع عن موقفها، ما جعل البعض ينتقد الخلية على مثل هذا الرهان ويصف تصرّفها بأنه «مراهقة سياسية» وبأن عليها «تصحيح مساراتها وخياراتها والتراجع عن سياساتها الخاطئة لأن المسألة ليست مسألة وزير أخطأ بتصريحه بل هي عبارة عن مسار تعزّز مع بداية هذا العهد الذي التصق بدويلة حزب الله وجاهر صهره النائب جبران باسيل منذ أن كان وزيراً للخارجية بالدفاع عن محور الممانعة وعودة سوريا إلى الجامعة العربية والامتناع في بعض المحطات عن استنكار التعرّض للمملكة أو لسفارتها في طهران».
وإذا كان الرئيس ميقاتي ارتأى السفر إلى غلاسكو في استكلندا للمشاركة في قمة تغيّر المناخ، فهو يراهن على أن تكون هذه المشاركة فرصة للقاء عدد من رؤساء الدول وكبار المسؤولين أملاً بالتوسّط مع السعودية ودول الخليج وحل الأزمة الدبلوماسية. وكان ميقاتي اتصل بالوزير قرداحي وطلب منه تقدير المصلحة الوطنية وإتخاذ القرار المناسب لاعادة إصلاح علاقات لبنان العربية. فعرض الوزير قرداحي على رئيس «تيار المردة» سليمان فرنجية الذي سمّاه وزيراً الحضور إلى قصر بعبدا أو البطريركية المارونية لتقديم استقالته، إلا أن فرنجية رفض ذلك، مؤكداً انه «لا يقبل ان يقدم قرداحي فدية عن أحد أو أن يبيع الرئيس عون استقالته إلى السعودية».
وأوضح فرنجية بعد زيارته البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي في بكركي: «لا نتعاطى بدونيّة مع المملكة العربية السعوديّة بل بكرامتنا ولا نفتّش عن ربح وخسارة بل عن كرامة»، وقال «أنا ملتزم بما يقرّره قرداحي سواء بالاستقالة أو عدمها وإذا استقال لن نسمي خلفاً له في هذه الحكومة».

الانقلاب على إعلان بعبدا
وبهذا يكون حزب الله، الذي دأب منذ فترة طويلة في خطابات علنية لأمينه العام وفي إرساله مقاتلين إلى اليمن وسوريا والعراق والتدخل في شؤون بعض الدول الخليجية وإنشاء خلايا أمنية كما حصل في الكويت والبحرين، قد تسبّب مرة جديدة في إدخال البلد في أزمة تاريخية غير مسبوقة مع محيطه العربي ومع المجتمع الدولي، في وقت كان يراهن رئيس الحكومة على الدعم العربي والدولي في عملية الانقاذ. وبهذا السلوك مع الخارج وبغزواته الأمنية والتهويلية في الداخل، يضع حزب الله الحكومة في مهب الريح والبلد على كف عفريت، بعدما وضع حليفه التيار الوطني الحر الانتخابات في مهبّ التطيير أيضاً تحت ذرائع مختلفة تارة لوجستية وجوية وطوراً دستورية وقانونية.
فطرفا تفاهم مار مخايل باتا مسؤولين عن الانهيار الذي بلغه الوضع اللبناني بإصرارهما على خرق مبدأ النأي بالنفس بعد الانقلاب على «إعلان بعبدا» الذي وضع في عهد الرئيس السابق ميشال سليمان والذي يقضي بتحييد لبنان عن المحاور والدخول في صراعات المنطقة. وبسبب هذه السياسات يشعر طرفا التفاهم بارتياب من نتائج الانتخابات النيابية المقبلة كشعور الحزب من الارتياب من التحقيق العدلي في قضية تفجير مرفأ بيروت، وبات الطرفان على يقين أن هذه الانتخابات لن تتيح لهما الاحتفاظ بالأغلبية داخل المجلس النيابي وأن المغتربين وخصوصاً الجاليات اللبنانية في دول الخليج يتحيّنون الفرصة للتصويت ضد العهد وحزب الله اللذين ساهما في تهجيرهم وما زالا يهددان حضورهم في الدول العربية وأعمالهم لولا اعتبار هذه الدول اللبنانيين على أراضيها جزءاً من النسيج الشعبي ورفض القيام بأي ردّأت فعل غير مستحبة بحق أي لبناني مقيم على تلك الأراضي. لذلك يتوزّع كل طرف من طرفي تفاهم مار مخايل الأدوار لخلط الأوراق ويرفعان سقف مواقفهما إلى أقصى حدود في محاولة مكشوفة للاطاحة بالاستحقاق النيابي أولاً وربما بالاستحقاق الرئاسي ثانياً من خلال دفع الأمور إلى تأزيم كبير تماماً كما ذهب حزب الله إلى حرب تموز في عام 2006 للتهرّب من تطبيق مقررات الحوار الوطني حول الاستراتيجية الدفاعية وتنظيم السلاح غير الشرعي.

تطيير الانتخابات
وفي سياق الخطوات الآيلة إلى تطيير الانتخابات جاء ردّ رئيس الجمهورية ميشال عون التعديلات التي أقرّها المجلس على قانون الانتخاب، حيث عادت الجلسة التشريعية لتؤكد عليها وترد الرد، الأمر الذي أسفر عن انسحاب نواب التيار الوطني الحر من الجلسة وتطيير النصاب وتحضيرهم الطعن بالقانون مرة جديدة أمام المجلس الدستوري بحجة وجود مخالفة دستورية نتيجة عدم احتساب الأغلبية وفق عدد أعضاء المجلس الذي يتألف منهم قانوناً أي 128 نائباً، فيما اعتمد الرئيس نبيه بري والكتل الباقية التفسير الذي اعتمد سابقاً لدى انتخاب الرئيسين بشير الجميل ورينه معوض لجهة احتساب الأغلبية وفق المقاعد المملوءة أي 117 نائباً من دون احتساب مقاعد النواب المستقيلين الثمانية والنواب المتوفين الثلاثة.
إلا أن رغبة التيار العوني بتطيير الانتخابات النيابية تبدو أقوى من رغبة حزب الله الواثق من بيئته الحاضنة وبإعادته بقوته إلى البرلمان بالتحالف مع «حركة أمل» فيما التيار الوطني الحر سيخوض المعركة من دون حلفاء بإستثناء حزب الله في دائرة بعبدا وربما في دائرة جبيل كسروان، فلا «حركة أمل» معه ولا «المستقبل» ولا «الاشتراكي» بسبب النفور في العلاقة بين جمهور الحزبين، فيما القوات اللبنانية تبدو متقدمة مسيحياً عليه بأشواط ولاسيما بعد أحداث عين الرمانة وظهور التيار كحليف للمعتدي على أبناء المنطقة وشعوره بالاحراج جراء هذه الأحداث التي كرّست رئيس القوات سمير جعجع زعيماً لدى المسيحيين، وهو ما يفسّر الهجوم المتكرر للنائب جبران باسيل عليه الذي لم يجاره به سوى بعض نواب التيار وليس جميعهم.
وفي ضوء كل هذه المعطيات يبدو لبنان أمام اعصار سياسي وعلى مفترق خطير بين الانزلاق إلى الهاوية أو معالجة الأزمة من خلال استقالة سريعة للوزير جورج قرداحي شجّع عليها البطريرك الراعي في خلال لقائه مع الوزير فرنجية.




القدس العربي